رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

من آفات العصر الرقمي إستمراء متابعة وإدمان المحتوى "التافه"، وهو ما تحترف عرضه وتقديمه بحرفية منصات عديدة وتطبيقات لا حصر لها ،هدفها الأول احتلال العقل وربما السعي لتوجيهه وتهكيره بغية حشد ملايين المتابعات والمشاهدات.

وتشير تقارير ودراسات إلي أن غرس نظام "التفاهة" هدفه إزاحة الذوق السليم والتفكير السليم والعبث في مفاهيم الفطرة السوية، سعيا إلى استبدالها بذوق فاسد، وتفكير أعوج، وفطرة مزيفة.


وفي هذا السياق يشير الباحث"آلان دونو" مؤلف كتاب "نظام التفاهة " إلى أن هذا النظام اللا إنساني مفروض بالقوة، من قِبَل قوة غير مرئية، على التسعة مليارات إنسان دون استثناء.

وأتصور أنها استراتيجية الإلهاء والإغواء في أوج مظاهرها ،والتي ترمي لشغل عقول الناس وخاصة الأجيال الجديدة بمتابعة هذا الكم المتدفق من الموضوعات والقضايا "الهامشية" التي لا تحرك ساكنا ولا تسكن متحركا ، إضافة إلى إغراق الناس في المراء والجدل العقيم ،وهي استراتيجية تدعمها أطراف مغرضة لفرض الهيمنة الفكرية وإضاعة الوقت ووأد فكرة الإبداع وإضفاء ضبابية وتشويش مقصود علي العقل والفكر والوجدان.

وقد احترف صناع المحتوي توظيف عناصر الجذب والإثارة بكافة ألوانها والتشويق بكافة صوره لحشد ملايين المتابعين،بهدف تحقيق أرباح طائلة من حصيلتها "المشبوهة"، دون النظر للتأثير السلبي لهذه الرسائل المتواصلة ليلا ونهارا.

ولا ينتبه الكثيرون إلي مغبة هذا الإفراط في التعرض لهذه الرسائل والمواد الفاسدة وأضرارها العقلية والنفسية والاجتماعية والثقافية ، علاوة علي تأثيراتها علي منظومة القيم والهوية،وخلق أنماط من العادات والسلوكيات كإدمان المواد الرديئة وقيم الاستهلاك والغربة النفسية وأحيانا التمرد على قيم المجتمع ،وغيرها.

وفي العصر الرقمي المفتوح تكون أو تكون..فلك الخيار في البحث طوال الوقت عن المحتوى القيم النافع الذي ينير العقل ، ويهذب السلوك والتصرفات وينمي يثري الوجدان بكل ما هو جميل ،او طريق المحتوي الفاسد الذي يقودنا لا محالة إلي حالة من تلف العقل والتوقف عن التدبر والإدراك السليم ،وصولا لما يعرف ب "تعفن الدماغ".

ويعني"تعفن الدماغ"،وفقا لرؤي الخبراء وتعريف "أكسفورد" بأنه «التدهور المفترض للحالة العقلية أو الفكرية للشخص؛ خصوصاً نتيجة الإفراط في استهلاك المواد التي تُعدّ تافهة أو غير صعبة".
بمعنى آخر، فإنك إذا كنت تقضي ساعات طويلة في تصفح الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بلا هدف، فإنك قد تعاني من "تعفن الدماغ"!.

وبحسب شبكة "بي بي سي "البريطانية، يعود أول استخدام مسجَّل لمصطلح "تعفن الدماغ" إلى ما قبل إنشاء الإنترنت بكثير؛ فقد استخدمه الشاعر والفيلسوف الأميركي، هنري ديفيد ثورو، في عام 1854 بقصيدته التي تدعى "والدن"، وذلك أثناء انتقاده لميل المجتمع إلى التقليل من قيمة الأفكار العميقة والمعقدة وكيف أن هذا يشكل جزءاً من الانحدار العام في العقل والفكر.

وقد اختيرت كلمة "تعفن الدماغ" لتكون كلمة عام 2024، في "أكسفورد"، بعد 37 ألف تصويت ومناقشة عامة على مستوى العالم وتحليل من الخبراء
وزاد معدل استخدامها بنسبة 230 % عن العام السابق.
وتُستخدم الكلمة حالياً كوسيلة لوصف المحتوى منخفض الجودة والقيمة الموجود على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن ناحيتها، قالت الدكتورة "إيلينا توروني"، استشارية علم النفس المؤسسة المشاركة لعيادة تشيلسي لعلم النفس، لموقع "بريكينغ نيوز" الأيرلندي: "تعفن الدماغ مصطلح يستخدمه الناس لوصف ذلك الشعور الضبابي الذي ينتابك عندما تستهلك كثيراً من المحتوى المكرَّر منخفض الجودة".


وتابعت: "إنه ذلك الشعور بالاستنزاف العقلي أو البلادة الذهنية الذي يحدث بعد ساعات من تصفُّح وسائل التواصل الاجتماعي، أو مشاهدة البرامج، أو الانخراط في مواد لا تحفز عقلك".

وحول كيفية التصدى لـ"تعفن الدماغ"،وفقاً لموقع "بريكينغ نيوز"، هناك 6 طرق لمكافحة هذه الظاهرة وهي:


1- ضع حدوداً لاستخدامك للإنترنت ومواقع التواصل في أوقات محددة في اليوم ولمدة محددة.
2- ابحث عن بدائل جذابة واستبدل التصفح السلبي للإنترنت بأنشطة أكثر إثراء، مثل قراءة كتاب أو تدوين مذكرات أو استكشاف هواية إبداعية.
3- قم بأي نشاط بدني، فالتمارين المنتظمة ترياق قوي لحالات الضباب العقلي.
كما أن رياضة المشي القصير في الهواء الطلق يمكن أن يساعد في تنقية ذهنك وتعزيز تركيزك.
4- خذ فترات راحة للتخلص من السموم الرقمية ،فالتوقف عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترة يمكن أن يغير من نظرة المستخدمين لعلاقاتهم بهذه الوسائل.
5- حفّز عقلك بطرق إيجابية ،وانخرط في الأشياء التي تشكل تحدياً بالنسبة لك، مثل تعلُّم مهارة جديدة، أو حل الألغاز ،فالأمر يتعلق بتغذية عقلك بمحتوى عالي الجودة.
6- كن انتقائيا في اختيارك للمحتوى الذي يتماشى مع اهتماماتك وقيمك، مثل الأفلام الوثائقية أو البث الصوتي القيّم أو الكتب التي تلهمك.

وتبقي الحلول بأيدي الشخص نفسه ،فإمكانه تحديد أوقات بعينها لمتابعة وسائل التواصل لا تتجاوز الساعتين يوميا أو أكثر قليلا والابتعاد عن شاشات الكمبيوتر والهاتف المحمول ،وتجنب المضامين عديمة الفائدة وتوجيه الطاقات لكل ما هو نافع ومفيد ،وتقع علي الأسرة مسؤولية تصحيح العادات الخاطئة لدي أبنائهم ،لتجنب مساويء إدمان "الميديا الجديدة"..
كن مبدعا ومشاركا إيجابيا ولا تكن طوال الوقت متفرجا سلبيا!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة