في خطوة لم تبد مفاجئة للمراقبين، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي، في 20 نوفمبر الحالي، ضد مشروع قرار مقدم من أعضاء المجلس العشرة المنتخبين، يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في قطاع غزة يحترمه جميع الأطراف، فضلاً عن الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن.
وكان مشروع القرار قد طالب أيضاً بتيسير دخول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وسريع ومأمون ودون عوائق على نطاق واسع إلى القطاع بجميع مناطقه وإيصالها إلى جميع المدنيين الفلسطينيين الذين يحتاجون إليها، بما يشمل المدنيين الموجودين في شمال غزة المحاصر الذين هم في أمس الحاجة إلى الإغاثة الإنسانية الفورية، وذلك بتنسيق من الأمم المتحدة.
كما شدد مشروع القرار أيضاً على أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ما زالت هي العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في غزة، ودعا جميع الأطراف إلى تمكين الوكالة من تنفيذ ولايتها على النحو الذي اعتمدته الجمعية العامة، في جميع مناطق عملياتها، مع الاحترام الكامل لمبادئ العمل الإنساني القائمة على التحلي بالإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلال، وإلى احترام القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حماية مرافق الأمم المتحدة والمرافق الإنسانية. وقد حصل مشروع القرار على تأييد 14 عضوا من أعضاء المجلس الخمسة عشر، لكنه لم يُعتمد بسبب استخدام الولايات المتحدة- الدولة دائمة العضوية بالمجلس- "الفيتو".
ورغم أن موقف الإدارة الأمريكية لم يكن مستغرباً، بالنظر إلى سوابق واشنطن التاريخية في استخدام حق "الفيتو" ضد القضية الفلسطينية، إلا أنه قوبل بالإدانة الشديدة من جانب الصين، التي أدان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة السفير فو كونغ ، الولايات المتحدة لاستخدامها حق النقض ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الداعي إلى وقف إطلاق النار في غزة. وخلال كلمته، أشار فو كونغ الي خيبة أمل بلاده الكبيرة من استخدام الولايات المتحدة لحق الفيتو ضد مشروع القرار الذي كان يهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار وإنقاذ الأرواح في غزة. وهو ما لا ينفصل عن الموقف الصيني الثابت حيال القضية الفلسطينية.
فلطالما تبنت الصين موقفًا واضحًا ومبدئيًا تجاه القضية الفلسطينية والحرب المستمرة في غزة، يرتكز على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والدعوة إلى تحقيق حل عادل وشامل ينهي عقودًا من الاحتلال والمعاناة. ففي كلمته أمام مجلس الأمن الدولي يوم 20 نوفمبر الجاري، سلط مندوب الصين الضوء على التاريخ المؤلم لاستخدام الولايات المتحدة لحق الفيتو فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع في غزة، مستشهداً بالإحصائيات الخاصة بعدد المرات الخمسة التى استخدمت فيها الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو)، لتعطيل جهود المجتمع الدولي بشأن الحرب في غزة، والتواريخ هي كالتالي:
1. 18 أكتوبر 2023: كان هذا أول استخدام للفيتو فيما يتعلق بالحرب المستمرة في غزة، وكان عدد الضحايا حينها قد بلغ نحو 3,000 مدني.
2. 18 نوفمبر 2023: استخدمت الولايات المتحدة الفيتو مرة أخرى، حيث ارتفع عدد القتلى في غزة إلى حوالي 17,000 شخص نتيجة القصف الإسرائيلي.
3. 18 أبريل 2024: جاء ثالث فيتو أمريكي، مع استمرار الحرب وتصاعد عدد القتلى إلى نحو 34,000 شخص.
4. 20 أكتوبر 2024: استخدمت الولايات المتحدة الفيتو للمرة الرابعة، بينما كانت حصيلة القتلى في غزة قد تجاوزت 40,000 شخص.
5. 20 نوفمبر 2024: الفيتو الخامس والأخير حتى الآن، بعد أن وصل عدد الضحايا في غزة إلى حوالي 44,000 شخص.
ويتضح من هذه التواريخ أن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو بشكل متكرر، مما أدى إلى إعاقة قرارات المجتمع الدولي للتوصل إلى وقف إطلاق النار وحل الأزمة الإنسانية في غزة.
وقد أكد مندوب الصين أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تمثل حياة أشخاص فقدوا، وألمًا دائمًا لعائلاتهم، مشيرًا إلى أن استمرار الولايات المتحدة في استخدام الفيتو يعني تجاهلًا واضحًا لمعاناة الفلسطينيين.
وأضاف أنه في المستقبل، عندما ننظر إلى الوراء، سيجد الناس صعوبة في فهم ما حدث. بموجب ميثاق الأمم المتحدة، يتعين على مجلس الأمن تحمل المسؤولية الأساسية عن الحفاظ على السلام والأمن الدوليين. من غير المفهوم لماذا، خلال السنوات الماضية، كانت الولايات المتحدة مصرة على جعل المجلس عاجزًا عن أداء دوره، مما أدى إلى شل حركته. تدّعي الولايات المتحدة أنها تُجري جهودًا دبلوماسية موازية، وقد وعدت مرارًا بأن إحراز تقدم سيتم قريبًا في المفاوضات. ومع ذلك، لماذا لم تحقق هذه المفاوضات المزعومة أي تقدم حتى الآن؟، ولماذا يُسمح لإسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية بينما تواصل طرح شروط جديدة للتفاوض؟.
ازدواجية المعايير وانتهاك القانون الدولي
اتهمت الصين الولايات المتحدة بازدواجية المعايير في التعامل مع الصراع، حيث أشار السفير فو إلى أن الدعم العسكري الأمريكي المستمر لإسرائيل كان عاملًا حاسمًا في إطالة أمد الحرب وزيادة أعداد الضحايا. كما شدد على أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء للقانون الدولي الإنساني، بينما تواصل الولايات المتحدة الدفاع عنها بشكل غير مبرر، ما أدى إلى تشويه مبادئ القانون الدولي وإضعاف مصداقية مجلس الأمن.
واشار فو في كلمته إلى أن استخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض (الفيتو) قد أدى إلى تقليص سلطة مجلس الأمن والقانون الدولي إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. ولكن لم يفت الأوان بعد للاعتراف بالأخطاء المرتكبة واتخاذ الإجراءات التصحيحية. حيث دعا الولايات المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها كعضو دائم في المجلس بجدية، وضرورة أن تتوقف عن كونها سلبية ومراوغة، وأن تتوقف أيضا عن المماطلة المتعمدة، فضلا عن ضرورة تبني موقف مسؤول أمام التاريخ ودعم المجلس لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق وقف إطلاق النار، وإنقاذ الأرواح، واستعادة السلام.
الصين والقضية الفلسطينية: رؤية متسقة ودعم دائم
تُظهر مواقف الصين في الأمم المتحدة التزامها بدعم الشعب الفلسطيني، مع التأكيد على ضرورة إعلاء القانون الدولي وتحقيق العدالة. وفي هذا السياق، دعت الصين المجتمع الدولي إلى العمل معًا لإنهاء الصراع وضمان عدم تكرار المأساة. فقد أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، في رسالة تهنئة بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، في 27 نوفمبر الجاري، مواصلة بكين العمل مع المجتمع الدولي لإنهاء الحرب ووقف القتل، ودعم وكالة الأونروا في استمرار تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي غزة، وإعادة قضية فلسطين إلى المسار الصحيح لحل الدولتين لتحقيق حل شامل وعادل ودائم بأسرع وقت.
ومن دون شك، فإن موقف الصين من الحرب في غزة والقضية الفلسطينية يعكس إدراكها العميق لمعاناة الفلسطينيين ورغبتها في تحقيق سلام شامل ومستدام. ويؤكد ذلك رفض الصين المستمر لاستخدام الولايات المتحدة لحق الفيتو، والذي يعبر عن موقف أخلاقي وإنساني يُعيد التأكيد على ضرورة الإصلاح العاجل لآليات عمل مجلس الأمن الدولي، لضمان تحقيق العدالة وحماية حقوق الشعوب المضطهدة، في ظل إزدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع الأزمات الدولية، وعلى رأسها أزمة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
[email protected]
*وكيل الوزارة للهيئة العامة للاستعلامات سابقاً
والمستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
والخبير بالشئون الصينية