بيان غريب ومثير للدهشة واعتقد أنه يحمل مخاطر غير مسبوقة، بل أن صياغته تؤكد أن مستقبل هذا الكوكب بات مجهولا حتي بالنسبة لصناع القرار في هذا العالم المخيف.
فقبل أيام وعلى هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (آبيك) السنوية، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الصيني شي جين بينغ انهما اتفقا على أن اتخاذ القرارات بشأن استخدام الأسلحة النووية يجب أن يكون بواسطة البشر وليس الذكاء الاصطناعي. وشدد الزعيمان أيضا على الحاجة إلى التفكير مليا في المخاطر المحتملة جراء تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وأن هذا التطوير يجب أن يتم بطريقة تتسم "بالحكمة والمسؤولية".
هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها البلدان مثل هذا الإعلان المتعلق بالذكاء الاصطناعي ودوره العسكري. ورغم الخلافات السياسية والاقتصادية العميقة بين البلدين، الا أن بينغ أبلغ بايدن أن "الصين مستعدة للعمل مع إدارة أميركية جديدة ومواصلة استكشاف الطريق الصحيح" للتفاهم و "تحقيق تعايش سلمي على المدى الطويل".
هذا البيان لم يحظ بأى أهمية تقريبا من وسائل الاعلام الغربية او الامريكية، ربما بطبيعة الأمور ان أي تصريحات او خطوة يتخذها الرئيس الأمريكي قبل رحيله من سدة الحكم لا تؤخذ بعين الاعتبار، خاصة ان أيامه باتت معدودة. في البيت الأبيض.
السلاح النووي لم يجرب فعليا الا قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما القت الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 129 ألف شخص، والتسبب في آثار صحية مدمرة على المدى البعيد، وهما من اجبرتا امبراطور اليابان على الاستسلام دون شرط او قيد، ومن يومها لم يتم تجريب هذا السلاح علي البشر لأنه تحول مع تطور التكنولوجي من سلاح ردع الي سلاح إبادة جماعية للبشر وللحياة علي كل كوكب الأرض.. لذلك باتت هناك قاعدة أساسية تحكم وتضبط إيقاع التعامل مع هذا النوع من السلاح الفتاك، وهي ان سلاح السياسة مسموح به وضروري وهو شرط لتعظيم المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، والسلاح النووي مقيد لان هذا هو شرط البقاء واستمرار الحياة.
ورغم تلك القاعدة الذهبية الا ان أي دولة تحلم ان تصبح عضوا في النادي النووي وان تكون ضمن الدول المعدودة التي تمتلك هذا السلاح الذي يضمن لها علي الأقل عدم الهزيمة الساحقة في حال وقوع مواجهة مع عدو لا يمتلك الرادع النووي، حتي من يمتلكون النووي يخططون لتغيير عقيدة استخدامه، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اعلن عن مقترح لتغيير عقيدة روسيا النووية التي كانت تعتمد علي استخدام السلاح النووي ضد أي دولة نووية تستهدف أراضيها لتصبح استخدام النووي حتي في حال شنت دولة غير نووية هجوما علي روسيا بدعم دولة نووية.. فعليا لا توجد طريقة واضحة لتقدير تأثير قنبلة نووية واحدة، لأنها تعتمد على العديد من العوامل، منها الطقس يوم سقوطها، ووقت انفجارها خلال اليوم، والتخطيط الجغرافي لمكان الانفجار، وما إذا كان الانفجار قد حدث على الأرض أم في الهواء.
لكن كيف سيكون الحال اذا ترك أعضاء النادي النووي الالاف من الصواريخ والقذائف النووية والهيدروجينية في يد الذكاء الصناعي الذي تطور بطريقة سريعة خلال السنتين الماضيتين، فأصبح بمقدوره أن يحل في وظائف كانت تقتصر على البشر، بل بات باستطاعته إنتاج صور واحداثيات تبدو حقيقية وتقليد الأصوات وغيرها من الأمور التي لم تكن في عالم التكنولوجيا خلال السنوات الماضية. كيف لمثل هذا الذكاء غير المحكم ان يتحكم ليس فقط في حياة مليارات البشر ولا حتي كوكب الأرض ولكن في كل المجموعة الشمسية التي نعيش فيها. بل ان الامر امتد الي مجتمع المخابرات ومراكز البحوث والسلك الأكاديمي في الولايات المتحدة التي أعربت عن قلقها إزاء مخاطر تشكلها جهات أجنبية عدائية تملك حق الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي المتطورة واستخدامها في السيطرة علي أسلحة نووية وتفعيلها.
هناك رسالة مفتوحة لمجموعة مكونة من 11 موظفاً حالياً وسابقاً في شركة OpenAI عملاق الذكاء الاصطناعي تم نشرها مؤخرا تؤكد أن الدوافع المالية لشركات الذكاء الاصطناعي تعيق الرقابة الفعالة علي تطور هذا الذكاء بدرجة قد تخرجه عن سيطرة البشر. وحذرت الرسالة كذلك من المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي غير المنظم، بدءا من انتشار المعلومات المضللة إلى فقدان أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة السيطرة عليها في بعض المواقع العسكرية الحساسة، مما قد يؤدي إلى "انقراض البشرية". وجاء في الرسالة أن شركات الذكاء الاصطناعي لديها "التزامات ضعيفة" فيما يتعلق بمشاركة المعلومات مع الحكومات حول قدرات أنظمتها والقيود المفروضة عليها، مضيفة أنه لا يمكن الاعتماد على هذه الشركات.
الرسالة المفتوحة هي الأحدث التي تثير مخاوف تتعلق بالسلامة حول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدية، والتي تتطور بسرعة مذهلة وعلى مدار الساعة وبتكلفة زهيدة.. المؤكد أن الاتفاق الشفهى بين بايدن ونظيره الصيني كان محاولة أدبية واخلاقية غير ملزمة وميؤوس منها ولا يوجد لهاأى ضوابط فعلية لتحجيم أو على الأقل ضبط ما هو غير ادبي او أخلاقي.. ولا اعرف الان لماذا تذكرت رائعة الكاتب الكبير لينين الرملي مسرحية "الهمجي" التي قدمها الفنان محمد صبحي قبل ما يقرب من ٤٠ عاما، وكأنها استشراف لمستقبل مظلم يعود بمن تبقي الى العصور الهمجية البدائية.