من الألف إلى الياء
بالتوازي مع مشروعات الإصلاح الاقتصادي والانجازات الهائلة قطعت مصر شوطا في مضمار الإصلاح السياسي وتدشين أفق الحوار الوطني، وأيضا المراجعة الجادة لأفكار من اقترفوا أخطاء في حق الوطن ،وكلها مؤشرات إيجابية تدعم تصحيح المسار وتجاوز بعض الأخطاء والمضي قدما نحو بناء دولة عصرية تفتح أحضانها لكل أبناء الوطن وتسعي لحماية مكتسبات وحقوق المواطنين وقطف ثمار التنمية والحياة في وطن آمن.
ووفقا لرؤية الأحزاب والقوي الوطنية والمدنية فقد نجح الحوار الوطنى فى ترشيد الخطاب السياسي وأصبح من أهم مقومات ومرتكزات الحياة السياسية في عصر الجمهورية الجديدة ، وذلك بتفعيل مفرداته وآلياته الشاملة بين مختلف القوي السياسية، والنقابات وممثلي منظمات المجتمع المدني في إطار دعم اتخاذ القرار وتعزيز مشروعات التنمية المستدامة والنهوض بالوطن.
وقد اتخذت القيادة السياسية خطوات تأهيلية لتجهيز أرضية ينطلق منها الحوار الوطنى، وكانت بداية الخطوات فى إنهاء المشهد السياسى المبعثر الذى كان قائما على الصراع وبدأ التخطيط لتهيئة مناخ سياسى مغاير، انطلق من عقد عدة مؤتمرات للشباب ثم تدشين تنسيقية شباب الأحزاب ،ثم إقرار بعض التشريعات المهمة الداعمة للإفراج عن المعتقلين والمحبوسين ، وصولاً إلى تدشين الحوار الوطنى المستمر، والذي نجح فى كشف الكثير من القوى المزيفة وإنهاء مشوارها السياسى ، بجانب إقصاء القوى التى كانت تملك أجندة خارجية وأغراضا غير وطنية، كما منح الحوار الفرصة للقوى الحزبية الوطنية التى تملك كوادر متميزة وبرامج قادر على التعبير عن الشارع المصرى فى مختلف القضايا الشائكة.
ومن مرحلة الفوضى والصراع إلى بوادر مرحلة من النضج ، فقد بدأت علاقة قائمة على الثقة والإحترام، وتغيرت نظرة الحكومة بعد الحوار الوطنى للقوى السياسية لأنها فوجئت أن هذه القوى تملك قدرة كبيرة على تقديم التوصيات الهامة فى الملفات الصعبة، ومن هنا تغيرت تلك النظرة من قوى مبعثرة إلى قوى سياسية ناضجة قادرة على التعبير عن الرأى العام، وتغيرت تلك النظرة بين الحكومة والبرلمان، الذى بات يقوم بدوره الرقابى والتشريعي بشكل من الجدية والدقة إلي حد كبير.
وفي هذا السياق رحب تحالف الأحزاب المصرية، الذي ينضوي تحت لوائه نحو 42 حزبا سياسيا، بقرار استبعاد 716 إسما من قوائم الإرهاب دفعة واحدة، لأول مرة، مؤكدين أن هذا القرار يأتي في إطار توجيهات الرئيس بمراجعة المواقف القانونية للمتهمين سواء المحبوسين أو المدرجين على قوائم الإرهاب وسرعة التصرف بشأنهم.
ويتسق القرار مع بنود وأدبيات الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان ويسهم في تحقيق العدالة الناجزة ويعلي من دولة القانون ويفتح صفحة جديدة لأبنائه للانخراط في المجتمع وتحقيق السلام والأمن المجتمعي.
كما حظي قرار الإفراج عن بعض القوائم الإرهابية من الإخوان وغيرهم قبولا لدي أبناء المحروسة وخاصة ممن لم يتورطوا بصورة مباشرة في جرائم عنف وقتل وإزهاق للأرواح وتخريب للمنشآت والممتلكات العامة.
وهي رسالة تحمل الكثير من المعاني الدقيقة في هذا التوقيت الحرج.
وبالنظر لخريطة المشهد الأممي الشائك أتصور أن تحقيق التكاتف الوطني أصبح ضرورة عصرية بحثا عن القواسم المشتركة ودعما للمراجعات الفكرية لأبناء الوطن.
وفي تقديري أن هذا الاتجاه هو الأكثر فعالية ،وينبغي أن تكون ترتكز عليه استراتيجية وطنية شاملة تدعم الاستقرار السياسي وتعزز الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان خلال المرحلة المقبلة الأكثر دقة وخطورة لعدة اعتبارات من بينها:
ـ أن مصر لا تزال مستهدفة علي كافة المستويات الاقتصادية الاستراتيجية والأمنية والثقافية وفقا لمؤشرات لا حصر لها.
ـ أيضا توظيف الطاقات البشرية المعطلة والجدارات المتنوعة، وفتح صفحات جديدة للشراكة الوطنية الفاعلة.
ـ قطع الطريق علي المتربصين بنا شرا ممن يدعون حماية حقوق الإنسان ،واتقاء لشرور اللاعبين علي وتر صناعة التوتر وإزكاء روح الفرقة والخلافات السياسية وترسيخ الفوضي الخلاقة!.
ـ كما أنه خطوة مهمة لمصالحة وطنية شاملة ودعم للتعددية وللحياة السياسية وتعزيز للحرية والديمقراطية.
ووسط هذه الأجواء الأممية الملبدة بالغيوم والأحداث الإقليمية المتصاعدة وتداعياتها المؤلمة علي الحاضر والمستقبل فإن الوطن أولي بأبنائه ،حتي لو أخطا البعض منهم فينبغي العمل لإحتوائهم ودمجهم في المجتمع من جديد والعمل بكل موضوعية وشفافية لتوثيق دعائم الوفاق الوطني.
ويبقي تحقيق التكاتف الوطني مرهونا بالإرادة الجماعية وقناعة بعض المارقين عن جادة الصواب في ضرورة التخلي عن الأفكار الفاسدة والقناعات الخاطئة وتغيير الذات والذي يتطلب وعيا وإدراكا لأهمية الحفاظ علي مكتسبات الوطن، كما يتطلب عزيمة قوية ورغبة حقيقية في التحسن وإحداث التغيير والاستمرارية ، والاستعدادا لمواجهة التحديات والتعلم الإيجابي والخروج بدروس من محطات الإخفاق والفشل.. ورغم مرارات وعثرات الماضي والحاضر..إنا لمتفائلون بغد أفضل بإذن الله!.