ربما سيمر وقت طويل لايجاد تفسير واضح وحل لغز النجاح الكاسح الذي حققه دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية على الرغم من كل استطلاعات الرأي التي رجحت كفة منافسته الديمقراطية كاميلا هاريس، عل خلفية سلسلة طويلة من الفضائح المالية والجنسية وقضايا جنائية وسياسية تورط فيها الرجل او هكذا قيل.
الحقيقية الوحيدة التي كشفتها نتائج الانتخابات، هي ان الناخب الأمريكي لا تهمه الألعاب او اللاعيب السياسة بقدر ما يهمه استعادة قوة بلادة من جديد التي تضررت وتراجعت طوال عهد الديمقراطي جو بايدن بداية من الانسحاب المهين والمذل من افغانستان. والدليل ان قضايا حقوق الإجهاض وخفض الضرائب التي تبنتها كاميلا هاريس نائب الرئيس ومرشحة الديمقراطيين انهارت امام قضية مثل ازمة المهاجرين التي اعتمد عليها ترامب في جذب أكبر نسبة من المصوتين البيض ضد الملونيين في تاريخ الانتخابات الامريكية.
ترامب الذي درس جيدا أجواء ما قبل الانتخابات يعلم أهمية عنصر المال لاستعادة حلم القوة الامريكية، واعتمادا على غريزته كرجل مال واعمال ومحترف في عقد الصفقات، أنشأ هذا التحالف الصريح والمعلن مع ايلون ماسك صاحب شركتي تسلا وسبيس اكس، وأكبر مستثمر في مشاريع الفضاء وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ليضع بذلك عنوانا كبيرا لعهد ترامب الثاني بانه سيكون "عصر قوة المال" بامتياز.
ترامب وماسك يمثلان قطبي حركة ماجا (MAGA)، هي اختصار لشعار دونالد ترامب الانتخابي "لنجعل أمريكا عظيمة من جديد" Make America Great Again. ورغم ان ظاهر الشعار هي الدعوة لعودة أمريكا القوية الا انها تعتمد على العنصرية، لانها ترفض المهجرين بكل اشكالهم والوانهم، بل وتحرض ضدهم، ويؤمن أنصار التيار بالعديد من نظريات المؤامرة، مثل اعتقادهم بأن الرئيس السابق باراك أوباما ليس مواطناً أمريكياً مولوداً في الولايات المتحدة. وأنّ سياسات الهجرة تهدف إلى استبدال المواطنين الأمريكيين البيض.
علي كل الأحوال.. الان أصبح المسرح السياسي الأميركي مهيئاً للملياردير إيلون ماسك، لممارسة نفوذه، الذي حدد بعض الأولويات بالنسبة له رغم غموض الدور المنتظر أن يلعبه في إدارة ترامب الجديدة. في خطاب النصر الذي ألقاه ترامب واستغرق 25 دقيقة، أمضى الرئيس المنتخب ما يقرب من أربع دقائق في مناقشة مع ماسك واصفا إياه ب "عبقري خارق"، وأشاد بإطلاق الصواريخ وبرامج الإنترنت عبر الأقمار الصناعية من SpaceX، وفي نهاية حديثة أعلن الرئيس المنتخب عن "ولادة النجم إيلون". ورغم عدم تطرق ترامب إلى تفاصيل حول ماسك، يبدو أن الثنائي يتفقان على أن رجل الأعمال سيكون له تأثير كبير في ولاية ترامب الثانية، ويتبنى ماسك بشكل حاسم فكرة قيادة "لجنة كفاءة الحكومة" التي تهدف إلى خفض تريليوني دولار أو أكثر من إنفاق الميزانية الفدرالية، في حين وصف ترامب ماسك بأنه "وزير خفض التكاليف".
ويبدو ان ماسك لا يخطط للتوقف عن التدخل في السياسة مع هذه الانتخابات، حيث ستستمر لجنة العمل السياسي الأميركية الفائقة التابعة له "بعد هذه الانتخابات، والاستعداد لانتخابات التجديد النصفي وأي انتخابات اخري خلال فترة ترامب. وبحسب ما قاله في بودكاست سابق، يأمل ماسك في "تقليص الوكالات الفدرالية لتكون أصغر بكثير"، والتأكد من "التزامها بما أقره الكونجرس بدلاً من كل هذه الأشياء الأخرى" و"تطهير" اللوائح والوكالات الفدرالية من العناصر غير الجيدة.
كما أعاد ماسك تغريد صورة له تحتها لقب "كبير مسؤولي التكنولوجيا في الولايات المتحدة"، ورد على ترامب برموز نارية في منشور يدعو فيه إلى إقالة رئيسة لجنة التجارة الفدرالية لينا خان، ورئيس لجنة الأوراق المالية والبورصة جاري جينسلر، ورد بالإيجاب على منشور يدعو إلى "تفكيك واشنطن كما نعرفها". وكلها إشارات بان الرجل ينوي احداث ثورة في نظام وإدارة الحكومة الامريكية.
غالباً ما كان ماسك يصطدم بالجهات التنظيمية في إدارة بايدن. فرضت لجنة التجارة الفدرالية بقيادة خان غرامة قدرها 150 مليون دولار على X، التي كانت معروفة آنذاك باسم Twitter، وأمرت بفرض قيود على أساليب جمع البيانات الخاصة بشركة التواصل الاجتماعي للإعلان. وهناك عدد كبير من الدعاوى القضائية المعلقة والتحقيقات الحكومية ضد ماسك وشركاته، مما يعني أنه من المرجح أن يستمتع بالمناخ التنظيمي الأخف الذي يسعى ترامب لتطبيقه. ومن بين القضايا القانونية والتنظيمية التي يواجهها ماسك استئناف لإعادة مكافأته البالغة 50 مليار دولار في أسهم تسلا والتي أبطلها قاضٍ في ولاية ديلاوير خلال يناير المضي، وتحقيق في أنظمة القيادة الذاتية لنفس الشركة من الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة.
وحتى الان تثار في واشنطن الكثير من الأسئلة عن طبيعة الدور الذي من المتوقع أن يقوم به أنصار "ماجا" بقيادة ترامب والملياردير إيلون ماسك. وجاء ذلك مباشرة في أعقاب الكشف ان ماسك انضم الى الرئيس المنتخب ترامب في مكالمته الهاتفية التي جمعته بالرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي. وتناولت المكالمة موقف الرئيس المنتخب من الحرب الروسية في أوكرانيا، ومستقبل العلاقة بين كييف وواشنطن. والموقف الأكثر إثارة للجدل في المكالمة كان حول استمرار الدعم الأمريكي المطلق لأوكرانيا في هذه الحرب أو توقف ذلك، كما سبق لترامب أن كرر خلال حملته الانتخابية. وما كان يعرف، سابقًا، هو أن ماسك كان أحد الداعمين الكبار لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وتسليم بعض الأراضي الأوكرانية لروسيا.
ويعارض رجل الأعمال الشهير انضمام أوكرانيا لحلف الأطلسي، وهو الموقف الذي جاهر به في مناسبات سابقة حتى قبل انضمامه العلني إلى حملة المرشح الجمهوري وقتها دونالد ترامب بدءًا من تجمع بنسلفانيا. بمعني آخر فان هدف ماسك ليس فقط في التدخل في الأمور المالية والتنظيمية لكن أيضا على مستوي ساحة السياسة الدولية بما فيها من أزمات وصراعات اقليمية، وهو ما أثارا حفيظة الكثير من مشرّعي الكونغرس، خاصة منهم الأعضاء في الحزب الديمقراطي… الجميع يعتقد ان فترة الأربع سنوات القادمة ستكون استثنائية بكل المقاييس وسنشهد انقلابا في جميع المعادلات السياسية السابقة التي افرزتها سنوات ما بعد انهيار روسيا، بل ربما نشهد تعاونا بين تكتلات كان من المستحيل ان تلتقي من قبل على خلفية توازن المصالح وليس توازن القوي.