رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وأسود


نجح مهرجان القاهرة السينمائي في عرض فيلم "هنا" أحدث أعمال المخرج الأمريكي الكبير روبرت زيميكس الذي يبلغ 73 عاما ، وهو غنى عن التعريف لأن قائمة أفلامه من انجح وأشهر الأعمال التي سعدنا بمشاهدتها مثل ثلاثية "العودة إلى المستقبل" و "قوریست جومب" و "كريسماس كارول" وصولاً لاعماله الأخيرة مثل "السير" و"الحلفاء" و"بينوكيو"، وهو من عشاق الابتكار فى السينما لأنه حريص دائماً على اضافة ما هو جديد وقد ظهر ذلك في فيلمه الجديد وهو مأخوذ عن كتاب ريتشارد ما جواير الذي صدر قبل عشر سنوات وكتب زيميكس السيناريو مع ديريك روث.
بطل الفيلم هو الانسان ذلك الكائن الذكي الذي جاء قبل ملايين السنين واستطاع ان يقاوم كل عوامل الفناء حتى يستمر على قيد الحياة رغم الحروب والأوبئة والصراعات ، إلى أن عرف ما يسمى بالوطن أى المكان الذي يعيش فيه هو ومن قبله الآباء والأجداد ومن بعده الأبناء والأحفاد ، وهى دورة حياة طويلة في الزمن أراد روبرت زیمیكس في فيلمه ان يختصرها في مكان واحد حيث يقع اختياره على منزل في "نيوانجلاند" بولاية بنسلفانيا وقد تم بناء هذا المنزل عام 1900 وعاشت فيه عائلات لأجيال وراء أجيال يقدمها الفيلم في حب وتعاطف مع فكرة ارتباط الإنسان بالوطن.
من الضروري وصف المخرج روبرت زيميكس بالمبدع السينمائي لأنه يهتم بالشكل قدر اهتمامه بالمضمون .. بل انه في فيلم "هنا" اهتم بالشكل أكثر من المضمون وأخذ المشاهد في تجربة فنية قائمة على التحدى بعد ان انتزع من السينما قدرتها على الحركة والخروج من أسر المكان الواحد ، وجعل أحداث الفيلم تدور وكأنها على خشبة المسرح حيث يتغير الزمن ولكن المكان ثابت مع تغير الديكور والأثاث والأزياء منذ مطلع القرن العشرين وحتى الزمن الحالى .. وكذلك ظهور الراديو والتليفزيون وتغير نوعية الموسيقى السائدة من عصر لآخر.
في فيلم "هنا" نشاهد زيميكس يعمل مع نجمه المفضل "توم هانكس"، لكنه يستخدم أحدث تكنولوجيا التصوير التي تعيد الممثل الكبير إلى شاب صغير مستخدما تقنيات الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم "الميتافيزك لايف" وهي تختلف كثيراً عما شاهدناه في فيلم "الايرلندي" للمخرج مارتن سكورسيزي .. في الفيلم نشاهد توم هانكس والجميلة روبن رايت وقد عادا إلى سن العشرين ، وقبل نهاية الفيلم ظهرا وهما في سن الثمانين .. ويبدو ان فناني الماكياج سوف يصبحون بعد سنوات قليلة من التراث السينمائي مثل السينما الصامتة.
ما فعله مدير التصوير "دون بورجيس" وكاميراته الحديثة، فعله ايضاً مهندس الديكور بالكمبيوتر القادر على تغيير الديكورات بلمسة واحدة واعتمد الفيلم على تغيير خلفية المشهد وكانت الكاميرا موجودة في جهة واحدة والمنزل يظهر من زاوية واحدة فقط لم تتغير إلا في الدقائق الأخيرة ، وبالطبع قدم فنان الموسيقى التصويرية "الان سيلفيستري" موسيقاه المعبرة عن المراحل الزمنية المختلفة لأحداث الفيلم ، وهو بالمناسبة خال من الأحداث وقد تكون هذه هي نقطة الضعف الوحيدة في الفيلم لأنه لا يقدم قصة بالمعنى الدرامي المعروف ، فالحياة مليئة بنماذج للسعداء والتعساء والمرضى والأصحاء والطيبين والأشرار ونهاية الجميع واحدة بعدها يشعر المشاهد بالأسى والحزن على مصير البشر.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة