رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وأسود


العلاقة بين السينما والأدب علاقة قوية، بدليل أنه لا يمر الموسم إلا ونشاهد فيلماً مأخوذاً عن رواية يثير قضية أو يحصل على جائزة والأسبوع الماضي جاء إلينا من شيلي على منصة "نتفلكس" فيلم "في مكانها" ، إخراج مالتي ألبرت، وشيلي كما هو معروف احدى جمهوريات أمريكا اللاتينية قدمت للعالم الشاعر "بابلو نيرودا" الحاصل على جائزة نوبل عام ۱۹۷۱ والمخرج السينمائي الشهير "ميجويل ليتين" وغيرهما.
فيلم "في مكانها" مأخوذ عن واقعة حقيقية جاءت تفاصيلها في كتاب "عندما تقتل النساء" تأليف اليسا ترابوكو، وتحكى عن الجريمة التي ارتكبتها الأديبة "ماريا كارولين اخيل" عام ١٩٥٥ عندما أطلقت الرصاص على صديقها داخل مطعم فندق كريون بالعاصمة سانتياجو ، ونظراً لأنها سيدة مجتمع معروفة ولها علاقات بسياسيين وفنانين تم ايداعها في بيت للمسنين داخل الدير بدلاً من السجن حتى يحين موعد المحاكمة، وهنا نتعرف على الموظفة "مرسيدس" سكرتيرة وكيل النيابة والتي تأخذ مفاتيح شقة الأديبة ماريا لتأتي إليها ببعض الملابس التي تحتاجها في محبسها.
داخل الشقة أصبحت "مرسيدس" في مكان ماريا، وهو لقاء بين امرأتين تنتميان لعالمين مختلفين، لأن مرسيدس موظفة زوجها مصور فقير وأم لولدين وتعيش في شقة ضيقة لا تدخلها الشمس وهى مثل الخادمة تطبخ وتكنس وتوقظ الأبناء في الصباح الباكر، فجأة وجدت نفسها في شقة "ماريا" الأديبة المثقفة الثرية حيث الأثاث الفاخر واللوحات والتماثيل والبيانو وأواني الزهور، بالإضافة إلى الفساتين والعطور والمصوغات .. وجدت مرسيدس نفسها تستخدم كل أشياء «ماريا ، حتى أدوات الماكياج، وبالطبع فإن القانون لا يسمح لها بذلك لكنها استجابت لرغبتها القوية أن تعيش في مستوى اجتماعى أفضل، وهى ترى أنها كامرأة لا تقل عن ماريا . فلماذا لا تعيش كما كانت هي تعيش، ويكشف الفيلم أن حاجة الإنسان للصعود الاجتماعي من الأحلام الجميلة، لكنها في نفس الوقت رغبة مكبوتة، تحولت إلى مرض اجتماعي يظهر مع أول فرصة للظهور.
نجح المخرج مالتي ألبرت في تقديم واقعة تاريخية تعتمد على جريمة قتل تظهر في صورة سينمائية جذابة وكأنها رواية أدبية، لا تغفل المفارقة الاجتماعية بين عالم مرسيدس الفقيرة وحياة الأديبة ماريا الثرية، واتضح ذلك أكثر من سير القضية ، وقد عوقبت ماريا بالسجن عامين ثم صدر عفو رئاسي عنها بعد أن توسط لها أصدقاؤها، وبالفعل عادت القاتلة بعد شهور قليلة إلى بيتها وعالمها ورجعت مرسيدس إلى حياتها السابقة البائسة.
من أجمل مشاهد الفيلم اللقاء الذي تم بين مرسيدس والشاعر "رينيه" الذي جاء بالصدفة إلى شقة الأديبة السجينة، وقال إن القتل جزء من خيال الأديب طالما يكتب عنه في رواياته، وأدركت "مرسيدس" أن الفرق بينها وبين "ماريا" ليس فقط في المستوى الاجتماعي بل في النظر إلى الحياة والقيم الإنسانية والأفكار التي لا تعرف مرسيدس عنها شيئاً وهو ما تأكد بعد العفو عن الأدبية القاتلة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة