من الألف إلى الياء
# من أول السطر
وسط هذه التحديات الأممية والمخاطر المتصاعدة والمحتملة تبدو في الأفق ملامح تدشين محطات جديدة للإنطلاق وتغيير وجه العالم .
وتتزايد الآمال من جديد مع انعقاد قمة تجمع "بريكس "،والتي تضم عددا من القوي الاقتصادية الفاعلة والاقتصادات الناشئة علي حد سواء وعلي رأسها قطبي المعسكر الشرقي روسيا والصين علاوة على عدد من القوي الاقتصادية الناشئة وفي مقدمتها مصر والسعودية والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
كما يتوق كثيرون من أبناء المعمورة للتخلص ولو بصورة تدريجية من فكرة "الهيمنة" الغربية علي مختلف شؤون الحياة بمختلف روافدها السياسية والاقتصادية والثقافية.
كما يأمل هؤلاء لفكرة التحرر من هذه القبضة "شبه الأزليه" وتنويع أنماط وآليات التعاملات الدولية، مما يسهم بصورة فعالة في تصحيح المسارات التنموية والتأسيس لمشروعات فعلية تصب في صالح أجيال المستقبل ودعم استراتيجيات التنمية المستدامة ،واتقاء شرور التضخم اللامحدود ومكبلات الرأسمالية ،واسباغ وجه النفعية المطلقة علي كافة الأنشطة البشرية ،وحتي إشعار آخر.
ومع تزايد التوقعات بحدوث موجات من التضخم والركود وتراجع معدلات النمو علي المستوي الأممي ينظر كثيرون لتجمع "بريكس" باعتباره نقطة البداية في تدشين النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب ،وبداية مرحلة متوزانة تضمن المنافسة الدولية العادل والتوزيع المنصف للمصالح والمنافع ، وتحقيق الحد الأدنى من التكامل بين الدول وضبط موازين المدفوعات ومعادلات التصدير والإستيراد والتي تعاني خللا كبيرا وعوارا مؤلما لدي الكثير من الدول.
كما تتطلع الدول الساعية للنمو لتفعيل توجهات العملة النقدية الموحدة وإتاحة التبادل التجاري بالعملات المحلية واتخاذ إجراءات أكثر عملية لحصار هيمنة "الدولار" والتخلص من السيطرة الغربية علي مقدرات وثروات الاقتصادات النامية والناشئة والطامحة للانضمام إلى عالم "الكبار"!.
ومن آفات "الهيمنة" الغربية التي تسعي شعوب العالم للفكاك منها التراجع عن دعم القضايا ذات البعد الإنساني لتعارضها مع منظومة المصالح ،وايضا الإهمال المتعمد لملف حقوق الإنسان ،وإن ارتدت الوجوه الغربية الداعمة زيفا وبهتانا أقنعتها ، وادعت الانحياز الظاهري للحرية والعدالة الاجتماعية ودعم الانتقال الديمقراطي!.
كما يوجد مسوغات أخري للنفور من القطبية الأحادية من بينها ازدواجية المعايير ،واستنزاف الثروات وغياب معايير العدالة الإنسانية وعدم وجود برامج جادة ومحددة لدعم الصناعات المحلية وتحسين ظروف المعيشة والنهوض بالمستوي الاقتصادي والتكنولوجي لدي الدول الساعية للنمو ،والراغبة في مغادرة صفوف المستهلكين المتفرجين!.
كما تظل إشتراطات صندوق النقد الدولي عقبة أمام إتمام مشروعات التنمية المستدامة والإصلاح الفعلي ،بما تمليه من توجيهات واجبة النفاذ ،نظرا لارتباطها بتحديد قيمة القروض وخضوع هذه الإجراءات للرقابة والمراجعة من آن لآخر.
وقد اكتوت بهذه النيران العديد من الدول رغم محاولتها الانطلاق في البرامج الإصلاحية والتنموية بعيدا عن شراك وقوانين البنك الدولي، والجميع يعلم تماما طبيعة القوي الفاعلة المتحكمة في تحديد اتجاهاته وسياساته.
ومن ثم جاء تفكير دول الأعضاء في "بريكس" نحو إنشاء مصرف تمويلي بديل يوفر الدعم اللازم لمشروعات التنمية والاستثمار للدول الأعضاء وللدول الحليفة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية التكاتف الأممي لإصلاح النظام المالي العالمي، في ظل الأزمات الاقتصادية المتكررة التي تؤثر على الدول النامية، وهي قضية ذات أهمية قصوى، إذ أن إعادة هيكلة النظام المالي هو أمر حتمي لضمان توزيع عادل للأعباء والفوائد. وفي صيغته الحالية، يعزز هذا النظام الهيمنة الاقتصادية للدول الكبرى، مما يستدعي إعادة النظر في كيفية التعامل مع قضايا الدول النامية في ظل هذه الضغوط والمتغيرات.
وتسعي مجموعة "بريكس" بنفوذها وسيطرتها علي مايزيد عن 30% من حجم الإنتاج والتبادل التجاري العالمي، وبصورة حثيثة لإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي و"الجيوسياسي" الأممي والوقوف في وجه هذه الهيمنة الغربية،ومن ثم نسف النظام العالمي القديم وإعادة التوازن الدولي،والتمهيد بإجراءات ملموسة لتقبل فكرة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
ولو صدقت توجهات دول "بريكس" فإن توقعات الخبراء تشير لصعود متسارع لهذه المجموعة، وارتفاع حصة المجموعة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث تعادل القوة الشرائية إلي ما هو أبعد بكثير من حصة مجموعة السبع من الاقتصادات المتقدمة الرئيسة.
كما أن الإجراءات التي اتخذتها كتدشين بنك يضم الدول الأعضاء والاتجاه نحو تأسيس عملة موحدة ،تعكس مدي الإرادة الاستراتيجية للمضي قدما في تغيير ملامح الخريطة الدولية في المستقبل المنظور والبعيد.
كما أن هناك رغبات وأمنيات يجب أن يتبعها مجهودات حثيثة لضرب الدولار الأمريكي في مقتل ومحاصرته والتخلص من سيطرته ولو تدريجيا ،بعدما حظي بمرتبة الصدارة في تقييم كافة المبادلات التجارية العالمية ،كما ظل مفهوم "البترودولار" عنصرا مركزيا في الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية لعقود طويلة،وهو ما أعطي للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها مزايا اقتصادية وسياسية كبيرة.
وباعتباره التجمع الاقتصادي الأهم عالميا ، فإن الدول التي رحبت بالانضمام تتأهب لبدء مرحلة مغايرة.
ومما لا يقبل الشك أو الجدل أن إنضمام مصر رسميا لتجمع "بريكس" هو خطوة للأمام ،لتصحيح المسار وتدشين علاقات متوازنة مع دول الشرق والغرب.
وهو مؤشر إيجابي يعكس رؤية كبار دول "بريكس" المؤسسين لمكانة وأهمية أرض الكنانة ومدي ثقلها السياسي والاقتصادي.
ولا يختلف إثنان علي أن دعم العلاقات الاستراتيجية مع دول "بريكس "فرصة غير مسبوقة للدولة المصرية لتعزيز مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ،وهنا تبدو أهمية مواصلة العمل الجاد لتفعيل هذه الشراكات بما يحقق أقصى استفادة من هذا التجمع الدولي ويعزز مكانتها على الساحة الدولية كدولة رائدة في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
وكما أن هناك منغصات وتحديات يجب تجاوزها أولا ، فهناك مقومات ومرتكزات يجب الاستناد عليها لتحقيق الإسهام الإيحابي في منظومة "بريكس"، من بينها الإسهام الإيجابي في حركة التجارة المتوقعة والعمل علي تعظيم الإنتاج المحلي،ومن ثم زيادة الصادرات ومضاعفة حجم التبادل التجاري مع الدول الأعضاء، ففي عصر القوة والتكتلات الاقتصادية ، لا مجال للمشاركة السلبية والاكتفاء بفكرة استهلاك ما يصنعه وما ينتجه الآخرون،وهو المفهوم الذي حرص الغرب علي إقراره وغرسه ،علي كافة المستويات الوجدانيةوالمادية والحضارية.
وأتصور أن هذا هو التوقيت الأمثل لاتخاذ إجراءات تصحيحية واسعة النطاق لتشجيع المنتجات المحلية والصناعات الصغيرة ودعم الاقتصاد الموازي،ودعم الشراكات الفاعلة مع القطاع الخاص ،علاوة علي حصار السوق السوداء ،وتقليص الواردات مع دول الدولار بصورة متدرجة.
وانطلاقا من تفهم القيادة السياسية لحجم الضغوط علي المواطن أعتقد أنه قد آن الأوان لإجراء مراجعة فعلية وجادة لبرامج الحكومة المستقبلية مع البنك الدولي ،فإذا زاد الشئ عن حده انقلب إلي ،ويكفي صمود الشعب المصري أمام كافة التحديات وإصراره على المضي قدما في معركة البناء ،كما خاض بكل صمود وجسارة معارك المتغيرات الإقليمية وضغوطها وتداعياتها المؤلمة..
حفظ الله مصرنا الغالية من كل مكروه وسوء.