من الألف إلى الياء
مع حلول الإعصار المدمر "ميلتون" قبل عدة أيام وبين عشية وضحاها تحولت مدينة فلوريدا إلي مدينة من الركام والاشباح والرماد ،وتعرضت لدمار غير مسبوق في البنية التحتية..
ومن رحمة الخالق ببني البشر أن من عليهم بالعلم والتكنولوجيا وهداهم لتقنيات متطورة عبر الأقمار الصناعية وأجهزة الرصد والمتابعة لحركة الأعاصير واتخاذ ما يلزم نحو تجنب المزيد من الخسائر في الأرواح ففي وقت يتحدث البعض عن الخسائر المتوقعة في فلوريدا والتي ربما تتجاوز حاجز ال175 مليار دولار ،بلغ عدد الضحايا ومن لقوا حتفهم وفقا الإحصاءات الرسمية في أيامه الأولى ،نحو 16 شخصا وعدد قليل من المفقودين والمصابين.
وقد تعرض 3 ملايين أمريكي في فلوريدا لانقطاع شبه كامل للتيار الكهربائي ولكن ظلام الليل أهون من الظلام الطويل تحت الأنقاض!.
ووفقا للمراصد العلمية فإن إعصار “ميلتون” يعد اقوي إعصار تتعرض له فلوريدا في التاريخ، حيث بدأ تكوين الإعصار مع ارتفاع درجة الحرارة فى غرب خليج المكسيك مما أدى إلى صعود الهواء إلى أعلى مع انخفاض الضغط، ومزيد من البخر تكونت السحب، وتحرك الهواء فى حركة دائرية عكس عقارب الساعة "فى نصف الكرة الشمالى" مكونة الإعصار الذى تحرك غربا فى اتجاه فلوريدا قاطعا حوالى 1500 كم فى 5 أيام علي وجه التقريب.
وازدات قوته مع اقترابه من الشاطئ الغربى لفلوريدا حتى بلغ أقصى شدة مسجلة وهى الفئة الخامسة التى تزيد فيها سرعة الرياح عن 250 كم/ساعة، مع الأمطار الغزيرة التى تعادل أمطار مئات السنوات وفقا لبعض التقديرات، مع ارتفاع أمواج البحر على المناطق الساحلية، واستغرق حوالى 24 ساعة حتى عبر فلوريدا إلى المحيط الأطلنطى.
وقد كان الوقت كافيا
لإجلاء بعض سكان فلوريدا من المناطق المتوقع الوصول إليها.
ومن المسلم به أن الأعاصير ظاهرة جوية طبيعية وعادةً ما تبدأ على شكل ما يُعرف بالموجة الاستوائية،وهي منطقة منخفضة الضغط تتطور فيها العواصف الرعدية والسحب والرياح القوية.
ومن المعلوم أيضا أن التغيرات المناخية لها دور كبير في إحداث هذه الظواهر المتطرفة أو علي الأقل التأثير في توقيتاتها وشدتها.. فمن بين صور التغيرات غير المألوفة التي شهدتها مناطق متفرقة من العالم ظاهرة الاحترار وزيادة معدلات درجات الحرارة بمعدلات غير مسبوقة والتقلبات المناخية وتغير أحزمة المطر ،وحدوث فيضانات غير متوقعة ببعض المناطق مع جفاف وتزايد ظاهرة التصحر في مناطق أخري واشتعال حرائق الغابات وغيرها.
كما كشفت تقارير علمية أن تغير المناخ يُحدث تغييرات في أنماط هطول الأمطار حول العالم، وهو ما قد ينجم عنه أيضا اشتداد قوة الأعاصير والعواصف المدارية الأخرى.
ويؤكد علماء المناخ أن العواصف المدارية القوية جزء من ظاهرة أوسع من الظواهر الجوية المتطرفة الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة.
وكشف الباحثون بقيادة "تشانغ وين شيا" في الأكاديمية الصينية للعلوم البيانات التاريخية للأرصاد الجوية أن 75% تقريبا من مساحة اليابسة في العالم شهدت ارتفاعا في "تقلبات هطول الأمطار" أو تقلبات أوسع بين الطقس الجاف والرطوبة.
كما ذكر باحثون في دراسة نشرتها مجلة "ساينس" أن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى زيادة قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالرطوبة مما تسبب في تقلبات أوسع في هطول الأمطار بصورة أكثر غزارة.
وتعالت التحذيرات من "الجحيم المناخي" المتوقع ويعتقد بعض العلماء أن تغير المناخ يعمل أيضا على تغيير سلوك العواصف المدارية، بما يشمل الأعاصير، مما يجعلها أكثر قوة.
كما أن ارتفاع نسبة بخار الماء في الغلاف الجوي هو السبب الرئيسي وراء كل هذه الاتجاهات والتي تقود المناخ العالمي نحو ظواهر هيدرولوجية أكثر تطرفا".
والأمر الذي أثار الدهشة والعديد من علامات الاستفهام ما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي من مزاعم وتحليلات تشير إلى أن إعصار "ميلتون" كان "مُدبراً" وأن الطقس في فلوريدا تم "التلاعب به"!.
بينما يرى آخرون أنه لا توجد تكنولوجيا تسمح للبشر بصناعة هذه الظواهر وخلق الأعاصير والتحكم فيها.
ولكن على منصات مثل "إكس" و"تيك توك"، عرضت منشورات حظيت بملايين المشاهدات والمتابعات تزعم أن الحكومة الأمريكية تتحكم سراً في الطقس !.
ونشرت العديد منها عبر حسابات معروفة بتبني نظريات المؤامرة، بالإضافة إلى معلومات حول اختلاق أزمة كوفيد-19 أو مافيا اللقاحات قبل عدة سنوات ،وربما أصابت هذه المزاعم كبد الحقيقة المرة التي يحاول كثيرون التملص منها!.
وبعيدا عن هذه الدراسات والتوجهات والتخمينات تبقي جريمة الدول الصناعية الكبري في حق البيئة والمناخ لا تحتمل التشكيك أو الجدل،فهي ثابتة مع سبق الإصرار والترصد دون اتخاذ إجراءات فعلية لتحمل الأضرار البيئية ووقف تداعيات التغيرات المناخية.
وتبقي الأنشطة الصناعية المتصاعدة هي السبب الأول لتطرف التغيرات المناخية وحتى إشعار آخر!.
يحدث هذا في وقت انشغل فيه أبناء المعمورة بمتابعة الصراع الإيراني الإسرائيلي علي الأراضي اللبنانية والهجمات الوحشية المتتالية علي قطاع غزة ،حتي تحول لأكوام من الأطلال ومخلفات الدمار.
كما يتابع العالم توتر الأجواء في الشرق الأقصي بين الكوريتين الشمالية والجنوبية وبين الصين وجيرانها ،مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
والسؤال الذي يراود الكثيرين ..هل انتقمت أقدار السماء بمشيئة الخالق الذي لا يغفل ولا ينام للثكالي والجرحي والشهداء والجوعي ضحايا الحرب المسعورة غير العادلة في غزة ولبنان ،وفي مختلف بقاع الدنيا.
أتصور أنها رسائل وإشارات كونية متتابعة حصادا لفساد القوي الفاعلة ومن بيدهم اتخاذ القرارات المؤثرة ،فالعالم يسير بلا هوادة وبخطوات متسارعة نحو الهاوية.
وما يزال يتجرع منقوع العلقم نتيجة المواقف الغربية المتخاذلة تجاه القضايا الإنسانية والجروح المندملة وعلي رأسها قضية فلسطين ولبنان،مع كثير من المعاناة النفسية جراء مرارات ومردودات المعايير الدولية المزدوجة.
ووسط هذه الأجواء الملبدة بأفعال أهل الأرض وغضبة السماء يتوق أحرار بني البشر ليقظة ما بقي ضمائر وإقرار العدل ووقف دوامة العنف والنزاعات في مختلف بقاع الدنيا والتوصل لهدنة إنسانية كما كان الحال في العهود السحيقة والأزمنة الغابرة ،مع وضع حد لهذه الممارسات الإجرامية للكيان الصهيوني.
لقد تنامي ظلم البشر وغبن حقوق الإنسان وغمط الناس وبطر الحق ، وانتشرت الكثير من صنوف البلايا والنكبات والأمراض والاوبئة والتغيرات المناخية،و كلها من تدبير وأفعال بني البشر والانشطة الصناعية المتزايدة والتي أخلت بالنظام البيئي الكوني، وربما يعقلون.. ويعودون يوما إلي الحق وجادة الصواب.
وصدق الله عز وجل: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ الروم 41.
ويطيب الختام بآيات الرحمن التي شرحت القضية ورسائلها لأولي والألباب ،ومن الألف إلى الياء.. يقول الله عز وجل في محكم تنزيله : ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنـزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يونس: 24-25.
صدق الله العظيم.