رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل


نحتفل هذه الأيام بالذكرى الحادية والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة التي تحمل معها رائحة المجد والشرف، وتعيد تنشيط الذاكرة الجمعية بما كنا فيه من تحديات وآلام وانكسارات ..وكيف استطاع المصريون التفوق حتى على أنفسهم قبل أن ينتصروا على عدوهم المتغطرس وأعوانه الذين أمدوه ولا يزالون بالسلاح والعتاد والمعلومات الاستخباراتية التي أمدت في عمر المعركة الكبرى التي كاد المصريون يحسمونها في ست ساعات فقط أفقدوا خلالها عدوهم توازنه وعلموه درساً أحسبه لن ينساه أبداً بعد أن صار لمصر درع وسيف ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
الحق لا يضيع بالتقادم ..هذا أول درس تعلمناه من نصر أكتوبر، وأن عزيمة المصري لا يفت في عضدها الحديد متى آمن بحقه وتهيأت الظروف لاسترداده، وأنه لا تنقصنا القوة ولا القدرة على مسايرة أحدث مستجدات العصر وأن المصريين قادرون على تطوير قدراتهم بسرعة مذهلة في أحلك ساعات الشدة وأكثرها إظلاماً ..والسؤال: هل لا تزال روح أكتوبر حاضرة في نفوسنا ..وهل تعرف أجيالنا الجديدة مدى عظمة تلك الروح..والأهم هل لا تزال صحافتنا وإعلامنا وقوانا الناعمة من ثقافة وفن ورياضة قادرة على لعب الدور ذاته في مواجهة تحديات هي اليوم أشد وأعتى مما كانت عليه قبيل حرب أكتوبر 73.؟!
ثمة من يرى أن روح أكتوبر انسحبت من حياتنا شيئاً فشيئاً حتى صار حال إعلامنا وصحافتنا على غير ما كانا عليه أيامها ..فقد لعبا دورا استباقياً بالتمويه والخداع الاستراتيجي الذي رسمته القيادة السياسية قبيل الحرب لتضليل العدو، فخاطبت الجبهة الداخلية بلغة والعالم الخارجي بلغة مغايرة؛ وهو ما خلق جواً من التكتم والتعتيم انطلى على أعتى أجهزة المخابرات العالمية وقتها، فضلاً على "الموساد الإسرائيلي" حتى تكونت لديهم قناعة راسخة بأن مصر لن تحارب أبداً وهو ما مهد الطريق أمام قواتنا لصياغة ملحمة قتالية صنعت انتصارات هي معجزة بكل مقاييس العلوم العسكرية توقف أمامها الخبراء بالإعجاب والفحص والدرس واستخلاص الفوائد .
إعلامنا وصحافتنا كانا في طليعة معركة أكتوبر 73؛ تشد من أزر الرجال، وتسجل كأحسن ما يكون تفاصيل المعارك على الأرض ومشاهد البطولة لحظة بلحظة ليعلم أهل مصر والعالم أجمع كيف ضحى الرجال وكيف تفوقوا وكتبوا بدمائهم الزكية أروع قصص البطولة والوطنية والفداء.
كان شعبنا وجيشنا وشرطتنا وقيادتنا مضرب الأمثال في الشجاعة والحكمة والصمود والجرأة والتحمل والإخلاص وحب الأوطان والكفاءة وعبقرية التخطيط ودقة التنفيذ بروح قتالية لا مثيل لها..ولمَ لا والكل كان على قلب رجل واحد والجبهة الداخلية موحدة ليس فيها خائن ولا متخاذل ولا مثبط..ليس فيها تاجر جشع يستحل قوت الفقراء فيغالي في الأسعار أو يخفى السلع احتكارًا وتعطيشًا للسوق مستغلاً للأزمات كما يحدث الآن بكل أسف ..ولم يكن هناك طبيب يغالي في فيزيتا الكشف ولا مدرس يتعيش من الدروس الخصوصية بأرقام لا طاقة لأولياء الأمور بها ..كان إعلامنا على أعلى مستوى من المهنية والكفاءة والاستنارة والوطنية فنال احترام الجمهور وحفر مصداقيته بأحرف من نور في الذاكرة القومية التي لا تكاد تعثر فيها اليوم على شيء يسر في إعلامنا وصحافتنا اللذين ساءت أحوالهما وفقدا عرشهما وتدهورت مصداقيتهما لدرجة محزنة ..والسؤال: لما انتكس الإعلام وتراجع بعد عز ومجد كانا موضع فخر واعتزاز أيام أكتوبر 73..ولماذا انسحبت منه روح أكتوبر فلم نجد له دوراً مماثلاً في حرب الدولة ضد الإرهاب والفساد والإهمال ومشكلة الزيادة السكانية وحتى في تحصين الوعي بما يدور من حروب وصراعات على حدودنا..؟!
ربما يقول قائل: ألسنا اليوم نعيش ظروفاً مشابهة لما كنا فيه قبل نصف قرن غداة العبور العظيم؛ أليست الدولة مضطرة لخوض حرب ضروس ضد الشائعات وأهل الشر والإرهاب وأخطبوط الفساد والإهمال والسلوكيات الخاطئة اجتماعيًا كالتواكل والخرافة والواسطة والمحسوبية وغيرها..ألسنا نعاني ظروفاً اقتصادية مؤلمة فرضتها تداعيات أحداث يناير 2011 وجائحة كورونا والحرب الأوكرانية وحرب غزة ولبنان وما تبعها من تداعيات اقتصادية صعبة.. فلماذا تخلى إعلامنا عن روح أكتوبر المقاتلة المساندة للوطن الداعمة للدولة تكريس وعي حقيقى في مواجهة وعى زائف أو هش..؟!
إن ما يعيشه بلدنا اليوم من تحديات جسام يجعل معركته أشد خطراً مما واجهناه صبيحة نكسة يونيو 1967؛ الأمر الذي يجعل الحاجة ماسة لدور فعال للصحافة والإعلام في معركة أساسها الفكر والوعي، ورأس الحربة فيها الإعلام والصحافة والرأي العام وتوجيه العقول.
وتتعاظم الصعوبات والتحديات الاقتصادية والجيوسياسية لمنطقة تكاد تتفجر بحروب إقليمية وربما عالمية وشيكة، فضلاً على ما تعانيه الصحافة الورقية من ظروف وتحديات ومخاوف تهدد وجودها ؛ فثمة مصاعب اقتصادية عاصفة بعد موجات التضخم المتتالية وتعويم الجنيه وما تبعه من غلاء مستمر لمستلزمات الطباعة والتشغيل ، ناهيك عما تلاقيه الصحافة المطبوعة من منافسة شرسة وغير متكافئة من الفضائيات والسوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية وتراجع الأوضاع المهنية والأخلاقية والإدارية والمالية التي شهدتها سنوات ما بعد يناير 2011..هنا ندرك عمق المأساة وقسوة ما تعيشه الصحافة كلها قومية وخاصة هذا الأيام..وربما يفسر لنا ذلك سر المعاناة والتراجع الذي يعيشه إعلامنا عامة والصحافة تحديدًا، وعجزه عن التعامل الرشيد مع مجريات الأحداث والتطورات الهائلة التي تعيشها منطقتنا والعالم أجمع..فلا هو واكب ما يجري على المسرح الدولي من ترتيبات وصراعات ما بعد عواصف الربيع العربي ..وكيف صارت الدول العربية نهباً وساحة لصراع القوى الدولية..وكيف يجري تهيئة المجال لتقسيم دولنا وتفتيت وحدة شعوبها لصالح أطراف بعينها..ولا واكب إعلامنا وصحافتنا نبض الشارع وهموم المواطن وشواغله اليومية بصورة ترضى المواطن وتجعله حريصًا على دعم الصحافة والإعلام.. ولا نجح في رسم صورة استشرافية للمستقبل وسيناريوهاته ليأخذ بأيدي الناس إلى الطريق الصحيح..ولا هو ناصر الدولة وشد من أزرها في معاركها الكثيرة مع الإرهاب والفقر والأمية والتخلف والبيروقراطية والفساد والإهمال بل تخلى عن مهنيته وموضوعيته وفرط في مصداقيته حين استسلم للمعوقات والصعوبات ..وتخلى عن الاحترافية والتطوير والموضوعية والحياد في تناول القضايا العامة وتغطية الأحداث المتعاظمة هنا وهناك ولم يقدم إجابة لما يدور من أسئلة في عقل المواطن وخاطره.
وكان طبيعياً وسط كل هذا التناقض و التحولات البهلوانية وتبدل المواقف والتلون من جانب بعض الصحفيين والإعلاميين الذين يتخذون من الإعلام والصحافة مطية لأغراض سياسية أو مصالح خاصة فانتقل بعضهم من النقيض للنقيض حتى تاه الإعلام ومعه المواطن الذي لم يجد من يرشده لجادة الحق والصواب..والأدهى أن بعض هؤلاء الآكلين على كل الموائد تقمصوا شخصية الثائر فاستباحوا كل رمز وتطاولوا على كل قيمة، وخاضوا في تشويه السمعة ونهش الخصوصيات واغتيال البراءة وتصفية الحسابات ..مما ألحق بالإعلام أبلغ الضرر وصرف عنه جمهوره وأفقده المصداقية والاعتبار حتى خسر رصيده وبات على خطر عظيم.
الصحافة في كل الدنيا هي المعبرة عن أحوال الناس وآمالهم..تترصد الفساد وتفجر القضايا بموضوعية وحياد ..تنقل الأخبار المحلية والدولية وتحلل وتستخلص دلالاتها ومؤشراتها لتضعها بين يدي قارئها وصانع القرار معاً ..وهي بهذا المعنى لسان حال المجتمع، المعبرة عن نبضه، المدافعة عن قضاياه ومصالحه واتجاهاته وطموحاته..والسؤال : هل اضطلعت صحافتنا بهذا الدور أم تخلت عن رسالتها فأغرقت في المحلية وأغفلت القضايا الكبرى والأحداث المهمة وتجاوز بعضها حدود النقد البناء إلى السفاهة والجدل وافتعال معارك هي أقرب للسجال والسفسطة البيزنطية منها إلى النقاش الموضوعي بهدف تحقيق المصالح العليا للوطن.
وفي الصحافة والإعلام فنحن إزاء عدة اتجاهات أحدها الصحف القومية وإعلام الدولة، وهو متهم في نظر البعض بأنه منحاز دائماً للحكومة لا يتوقف عن الدفاع عنها بالحق والباطل ولا يرى في قصور أدائها ما يشين..أما الصحف الخاصة والحزبية فليست أحسن حالًا من سابقتها؛ وربما يعيبهما أحياناً أنهما لا يتعبان نفسهما بتقديم حلول للمشكلات والبدائل الواقعية الممكنة لها وفق منهج علمي يقوده خبراء ومتخصصون ..وفي المقابل هناك إعلام السوشيال ميديا وما ينطوى عليه من سيولة تلامس أحيانا حد الفوضى وهناك إعلام خارجي لا يكف عن تصيد الأخطاء وتهويلها وإنكار إنجازات الدولة وهي منصات تصيب متابعيها بالإحباط والسوداوية وفقدان الثقة في الحكومة ..وبين هؤلاء وأولئك يقف المتلقي حائراً لا يعرف من يصدق ..والنتيجة عزوف المشاهدين والقراء وتراجع المقروئية بين جماهير الإعلام والصحافة، فضلاً على التراجع في الانتشار والتوزيع بين الجمهور العام جراء انتشار التكنولوجيا والإقبال الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي التي سحبت البساط من تحت أقدام الإعلام كله..وتراجعت الصحافة الورقية إلى أدنى مستوياتها فلا هي حافظت على جمهورها القديم ولا هي نجحت في كسب جمهور جديد من فئة الشباب الذين غرقوا في عالم افتراضي لا حدود لإغواءاته.
كثيرة هى المتغيرات التي ضربت صناعة الصحافة العريقة وأنزلتها عن عرشها فلم تعد صاحبة الجلالة ذات بريق وتأثير أخاذ يعمل لها الكل ألف حساب، حيث تدهورت المهنية وتردت الأخلاق وتهاوت الأحوال المالية والإدارية للصحفيين تحت وطأة الغلاء الفاحش وسعار الدولار الذي ألهب ظهور المؤسسات الصحفية التي تستورد مستلزمات الطباعة من الخارج بأسعار فلكية فيخرج المطبوع خاسراً مهما بلغت أرقام توزيعه التي لا تغطي تكلفة الإنتاج فما بالنا بتحقيق هامش ربح وهذا هو المتغير الأخطر الذي بات سيفاً مصلتاً على رقاب الصحف جميعا بلا استثناء، ناهيك عن ضعف المحتوى وتهافته وخلوه من عوامل الجذب والتشويق وتدني أحوال الصحفيين المادية والمهنية في ظل غياب تواصل الأجيال وتداول الخبرات بينها وغياب النموذج القدوة أو النموذج المعلم الذي يقدر على صناعة النجوم واكتشاف العناصر الفذة ودفعها لمواقع الصدارة، فضلا على غياب الدور الفاعل للنقابة أو من يقوم على شئون الصحف من هيئات مستحدثة لا نجد التدريب والنهوض بالمهنة بنداً بارزاً على أجندتها أو ضمن أولوياتها القصوى..أضف إلى ذلك دخول أعداد غفيرة إلى بلاط صاحبة الجلالة في غياب أي رقابة حقيقية تحت ستار أصحاب النفوذ أو مجاملة لسلسلة الأقارب وشبكة العلاقات التي لا تحتاج لجهد يذكر للتعرف على تشابكاتها وامتداداتها في كل مؤسسة بل في كل إصدار صحفي لاسيما داخل الصحف القومية التي لم تكن في حاجة أصلا لكل هذه الجحافل .
وجاءت الفضائيات ومواقع الإنترنت لتجهز على ما بقي من نفوذ للصحف الورقية في سوق الإعلانات، ولتلتهم الشطر الأعظم من كعكتها حتى استحوذت عليها وحرمت الصحف من أهم مقومات وجودها..والسؤال: هل نحن قادرون على صنع عبور جديد بإعلامنا وصحافتنا على غرار العبور العظيم في أكتوبر المجيد..وهل ثمة أمل في إمكانية تجاوز صحافتنا الورقية هذه المحنة القاسية قبل أن تنقرض أو تتعرض للزوال..والإجابة تحتاج قطعاً لمقال آخر آمل أن يكون قريباً.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة