رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نعم تضم الهيئة العامة لقصور الثقافة حوالي 15 ألف موظف وموظفة، لكنهم لا يمثلون في العروض المسرحية التي تقدمها الهيئة، ولا يرقصون في فرق الفنون الشعبية، التابعة لثقافة الجماهير، ليس لأن الرقص نقص، في نظرهم، ولكن لأنهم لا يجيدون الرقص فعلا وليس لديهم لياقة بدنية تتيح لهم ممارسته، فأغلبهم لا يقوم من على مكتبه، هذا إذا جلس عليه أصلا.
كما أن هؤلاء الموظفين المبجلين لا يشاركون في أمسيات الهيئة الشعرية، أو مؤتمراتها الأدبية، ولا يؤلفون الكتب التي تصدرها هيئتهم، ولا يلقون المحاضرات الفكرية والفنية، ولا يقدم أحدهم عرضا للأراجوز، أو يتقمص دور طفل في مسرح الأمومة والطفولة المشردة.
ليس مطلوبا منهم القيام بأي عمل ثقافي أو فني، دورهم إداري فقط، وإذا توقفت أنشطة الهيئة، الثقافية والفنية، ينتفي هذا الدور تماما، لأن وجودهم مرتبط بهذا النشاط وليس العكس.
لا تظن أنني داخل شمال في هؤلاء الموظفين، فبينهم قامات كبيرة، وأصدقاء أعزاء، ومبدعون كبار لهم مكانتهم وأسماؤهم خارج الهيئة، لكن الأمر لا يعدم وجود بعض المعطلين والبيروقراطيين الذين يسوءهم أن تزدهر الهيئة وتلعب دورها الثقافي والتنويري الوطني العظيم.
لقد قررت وزارة المالية ألا يتم صرف أي مستحقات من مؤسسات الدولة إلا إذا كان لدى المستحق فاتورة إلكترونية، وبالطبع تم تعميم هذا القرار على كل مؤسسات الدولة، وهذا أمر لا غبار عليه، لكن هناك بعض المؤسسات، ذات الطبيعة الخاصة، لا يمكنها تطبيق القرار، وإلا توقفت أنشطتها تماما، ومن هذه المؤسسات الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي تستعين بمبدعين، وكتاب، وأساتذة جامعات، وطلاب، وأطفال، في تقديم أنشطتها، وتقدم لهم مكافآت بسيطة، لا تتجاوز المئات من الجنيهات، بعضهم يحصل على مائة وخمسين جنيها في المحاضرة، ومطلوب منه فاتورة إلكترونية، ولأنه لن يستطيع استخراج هذه الفاتورة فسوف يتوقف عن ممارسة النشاط هو وغيره، وساعتها تغلق الهيئة أبوابها ويذهب الجميع إلى الجحيم.
ستقول وما ذنب الموظفين؟ قرار جاءهم ولا بد من تنفيذه، إحنا في دولة بتحب المناولة، وأقول لسعادتك إنهم مذنبون بالثلث، ففي مثل هذه الظروف من المفترض أن يتم تشكيل لجنة من الإدارة المالية وتذهب إلى وزارة المالية وتقول لهم آدي الجمل وآدي الجمال، وأكيد ساعتها سوف يتفهم المسئولون في وزارة المالية الأمر، ويقولون لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء، فهل تم تشكيل مثل هذه اللجنة وذهبت وقالوا لهم يفتح الله؟
الواقع أن شيئا من ذلك لم يحدث، بل خد التقيلة بقى، فقد علمت أن المالية ذات نفسها استدعتهم أكثر من مرة لمناقشة هذا الأمر بعد إثارته من قبل كثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الوسائل الإعلامية، لكن أحدا لم يذهب.
ما المشكلة إذن؟ المشكلة أن مسئولي الإدارة المالية في الهيئة، وربما في أغلب مؤسسات الوزارة، لديهم إحساس بأنهم أولى بهذه الأموال التي يتقاضاها مقدمو الأنشطة، ويسوء بعضهم أن يوقع على استمارة صرف ألف جنيه مثلا، ويردد بينه وبين نفسه" تتشل إيدي لو وقعت".
أذكر أن أحدهم، منذ سنوات، عندما كانت الهيئة في عمارات العرائس والعرسان، جاءه عقد لمخرج مسرحي بثلاثة آلاف جنيه، فبهت الرجل وقال: ثلاثة آلاف جنيه حتة واحدة عشان يخرج مسرحية؟ وكاد يصدر صوتا اسكندرانيا معتبرا، لكنه تراجع حفاظا على وقاره كموظف مرموق، واكتفى بأن دخل في نوبة بكاء حادة متأسيا على إهدار المال العام، حتى أن العقد، من غزارة الدموع التي نزلت عليه، تهرأ تماما، ورغم ذلك قام بتصويره والمرور به على كل زملائه في الهيئة مرددا، في أسى وحزن شديدين: "شوفتو إللي بيحصل.. مخرج ياخد 3 آلاف جنيه واحنا بناخد ملاليم"، ورغم أن رقم الآلاف الثلاثة كان قد اختفى تماما بعد أن محته الدموع، الحارة والساخنة، فإن الموظفين، الذين لم يتبينوا الرقم، دخلوا في حالة لطم وبكاء، مجاراة لزميلهم العزيز، وكاد أحدهم يلقي بنفسه من الدور التاسع، حتى أن المترددين على مكتب الشهر العقاري أسفل الهيئة دخلوا هم الآخرون في نوبات بكاء حادة، وظن سكان شارع القصر العيني أن الهيئة انهارت على رؤوس موظفيها.
الحاصل أن مسئولي الإدارة المالية ما صدقوا أن جاءهم هذا القرار وقالوا بركة يا جامع، ولم يسع أحد منهم إلى حل هذه الأزمة، وبعضهم صلى ركعتي شكر لله، والبعض الآخر أقام ليلة ذكر، في السيدة نفيسة، احتفالا بالقضاء على نشاط الهيئة.

الغريب في الأمر أن هناك جهات في الوزارة نفسها، بل في الهيئة نفسها، تصرف مستحقات الناس دون طلب هذه الفاتورة البائسة، فهل هؤلاء من كوكب، وأولئك من كوكب آخر؟ لعن الله الكواكب والنجوم جميعا!
السيد نائب رئيس الهيئة، والسيد وير الثقافة، لا أحملكما هذا الميراث الثقيل بالتأكيد، فأنتما غير مسئولين عنه، وكلاكما مبدع يعرف قيمة الإبداع والمبدعين، مطلوب التدخل العاجل لحل هذه الأزمة، التي أراها شديدة ومهددة لمستقبل أهم كيان ثقافي في مصر.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة