رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

كثيرا ما يردد نفر من أنصار الإتكالية والدعة أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الهروب من الواقع إلى عوالم أخري والحياة بلا فكر ذلك أفضل جدا.. وأن هذا المنطق الانهزامي السلبي يضمن لصاحبه الحياة الهانئة والهدوء النفسي والسلامة من آثار المنغصات وسط هذه المتغيرات المتلاحقة، حتي لو اقتضى الأمر أن يفني جل عمره ووقته علي "الهامش" دون فعالية، أو دور، أو إضفاء بصمة!.

وعلي الجانب الآخر يري أنصار الفكر الإيجابي المتحضر أن مقتضيات الظروف الراهنة تتطلب الاشتباك مع الواقع ومواجهة التحديات والوعي بأسبابها وضرورة ترتيب الأوراق والأفكار وتوظيف الطاقات للتكيف مع المستجدات، والانطلاق نحو حياة أفضل والبحث طوال الوقت عن كل ما هو جديد ومبدع.

ويبدو أننا في حاجة ملحة للعودة بين الفينة والأخري لقراءة تاريخ تطور الفكر الإنساني وإدراك حقائق الأشياء وتفنيد كافة الأباطيل والروايات المغلوطة، وتوضيح مدي الارتباط الأزلي بين علوم العقل والروح وعلوم التجريب والتطبيق، والذي لا يقبل الشك والجدل العقيم، مع إدراك أهمية توظيف أدوات التفكير العلمي السليم نحو إمتلاك أسباب النجاح العملي.
وبين الأمس واليوم، وانطلاقا من احتياجات العصر، فالعهد وثيق بين العلوم الطبيعية والإنسانية، رغم إصرار بعض المرجفين في بث ترهات فصل العلوم وإقامة حواجز فيما بينها وتنحية كل ما هو له علاقة بالفلسفة والمنطق، دون قراءة واعية لتاريخ تطور العلوم ومدي ارتباطها الوثيق بالتنمية الإنسانية الشاملة بشقيها المادي والمعنوي وتحقيق جودة الحياة.

وفي هذا الشأن يقول المفكر الفيلسوف العلامة رشدي راشد في إحدي أحاديثه الصحفية : "من خلال دراستي في التاريخ العلمي وجدت أن هناك ارتباطا وثيقا بين العمل في المجالات الاجتماعية والعمل في العلوم‏، حتى الرياضيات‏ بمعني‏:‏ العمل في المجالات الاجتماعية كاللغة‏، أو التاريخ‏.
وبالنظر لتاريخ العلوم في الفترة العربية‏ في القرن التاسع‏، وقبل ذلك في القرن السابع علي سبيل المثال كانت هناك أبحاث مكثفة في العلوم الاجتماعية في اللغة والتاريخ والفقه‏، وتطبيق الرياضيات في الفقه‏، وفي الفلسفة وعلم الكلام‏.
مما خلق نوعا من السوق للعلم أو جمهور العلم‏، لأن هؤلاء هم أنفسهم الذين سيطلبون ترجمة الكتب من اليونانية وغيرها‏، وللذهاب إلي أبعد من هذا سيحتاجون إلي رياضيات وفلك‏، إنه ارتباط وثيق بين المجالين النظري والعلمي‏.
وأضاف : من ناحية أخري هناك ارتباط آخر‏ وهو أنه إذا كان العالم الذي يعمل في الفيزياء أو الرياضيات يبحث بشكل معين في ميدان‏ لا يمكن أن تفصل هذا عن التطور في ميادين أخري‏، مثل نظام التعليم‏، تشجيع البحث العلمي والتخطيط له‏، ولا أعرف مجتمعا تطور فيه العلم الطبيعي أو العلم الرياضي فقط إلا في حالات نادرة‏، حتى في النظم الديكتاتورية كما في الاتحاد السوفيتي كان هناك تطور ضخم في العلوم الطبيعية‏، لكن في الوقت نفسه كانت هناك أبحاث في اللغة، والأنثروبولوجيا‏.

وبالنظر لتاريخ تطور العلوم، سنجد أن التراث الإسلامي لم يكن لغة ودينا وأدبا فحسب، بل كان أيضا علوما وفلسفة ومنطقا، ومن هنا كانت أصالة هذا التراث وعالميته وانفتاحه، حيث كان مرتكزا لتطور علوم الغرب وانطلاقه، والتأسيس لحضارته، وترجمة هذه النهضة إلي صورتها الفائقة في عصرنا الحاضر..

ولتقريب سياق الفكرة، تخيل أن تعيش حياة بلا منطق أو رؤية.. تخيل أنك إنسان مكبل طوال الوقت مسلوب الإرادة والفكر..لا تستطيع التفكير أو التدبر أو الاختيار أو اتخاذ قرار أو التخطيط للمستقبل، أو إدراك الحقائق، أوالقيم المطلقة للحق والعدل والخير والجمال..
تخيل أنك منزوع القدرة لا تستطيع ترتيب الأولويات وتوظيف أبسط الإمكانيات لتحقيق أفضل النتائج..

تخيل أنك أصبحت بين عشية وضحاها كنسخة مشوهة للإنسان الآلي البديل، ربما فقط تأكل وتشرب وتتنفس، لكنك مجرد من الإحساس والانفعال والتفكير والإرادة والقدرة والفعالية..تنفذ فقط ما تمليه عليك ظروف الحياة ومستجداتها، باتكالية وسلبية دون مشاركة وفعالية!..
تخيل أنك لا تستطيع نقد أية فكرة أو بحثها في إطر علمية برصد عيوبها ومميزاتها..
تخيل أنك لا تستطيع تحليل لغة الآخرين وتفسير سلوكياتهم، أو تتوقع، أو تخلص لنتائج، ولا تستطيع القياس أو التقويم أو الاستنباط ..
إنها جميعا أدوات التفكير المنطقي المبدع ..التي ترتقي بالإنسان إلى عوالم جديدة.

وكما سميت "الفلسفة" أم العلوم، أطلق الفلاسفة علي علم "المنطق" لقب "خادم العلوم" فالمنطق وفقا لتعريف الفلاسفة: "آلة قانونية تعصم مراعتها الذهن عن الخطأ في الفكر".
فهو من العلوم الآلية التي تُستخدم لخدمة أمر آخر، فيُعلِّم كيفية ترتيب المعلومات الحاضرة والمخزونة للتوصل إلى أمور غائبة مجهولة تُطلب معرفتها.

ووفقا لمنطق الحياة والفطرة فالإنسان يحتاج إلى تعلَّم القواعد المنطقية ومراعاتها حتى في العلوم الأخرى لفهمها أو حل مسائلها وقضاياها.

وبالعودة قليلا نجد أن للمنطق دورا فاعلا في تطور العلم، وفي هذا الصدد، فإن المنطق هو أداة تضمن دقة معينة في التفكير العلمي، بل وتحمي العلم من إدخال الافتراضات الخفية والمغالطات الشكلية، وهذا ما عرضه فلاسفة المسلمين الأوائل كابن سينا وابن رشد ، وثلة من مفكري وفلاسفة الغرب في بيان العلاقة بين الفلسفة والمنطق والعلم.

وبالعودة لقوانين الفطرة الداعمة للعقل والمنطق، فقد خلق اللَّه سبحانه وتعالى الإنسان وأودع فيه قوة العقل والتفكير، والتي يستطيع من خلالها أن يواجه ما يعترضه في حياته، وينمّي من خلالها مدركاته ومعلوماته، ويتعرف على ما يجهله، ويستنتج بما اتسعت قدراته العقلية والفكرية.
وقد لا يصيب الإنسان دائماً، فقد يخطئ في إدراكه وتصوره للأشياء وللمفاهيم أو يخطئ في نقلها إلى غيره.
ومن هنا نشأت الحاجة إلى علم ينظّم أفكار الإنسان ويصحح عمليات تفكيره، وهذا العلم هو علم المنطق، فهو الوسيلة التي تشتمل على قواعد عامة لو اتبعها الإنسان لتوصل إلى إنتاج الأفكار الصحيحة.
ومن المعلوم أن بعض المعلومات التي يحصل عليها الإنسان لا تحتاج إلى إعمال الفكر وتنظيم عمليات فكرية، بل بمجرد مواجهة هذا الأمر يدركه ويعرفه ويستنتجه، كعلمه بأن الواحد نصف الاثنين.
لكن بعض الأمور يحتاج في إدراكها إلى إعمال الفكر حتى تضاف إلى معلومات الإنسان.

ووفقا لرؤي العلماء والباحثين فإن عمليات الفكر الإنساني تدور حول محورين رئيسين: - الأول: إدراك الأشياء والمفاهيم، أي معرفة ما يجهله بنحو واضح وجلي وتمييزه عن غيره.
-- الثاني: الإستدلال على الأفكار بشكل صحيح، أي إقامة الدليل على أمرٍ ما وإثبات صحته أو كذبه.
فمثلاً: عندما تريد الإستدلال على أمر ما، كمساواة مجموع زوايا المثلث لمجموع زوايتين قائمتين، فيقوم ذهنك بترتيب معلومات حاضرة بطريقة تصل إلى الحكم بصحة هذه القضية أو كذبها، فإذا أقمت الدليل على المساواة بين هذه الزوايا تذعن النفس لهذه النتيجة.

ومن ثم فإن علم المنطق يقدِّم لك من خلال قواعده كيفية ترتيب وتأليف المعلومات المخزونة والحاضرة عند الإنسان ليتوصل بها إلى إدراك الأشياء والمفاهيم المجهولة التي تحتاج إلى فكر ونظر، وإضافتها إلى رصيد معلوماته المخزونة، هذا في المحور الأول.
أما في المحور الثاني فيبحث عن كيفية ترتيب وتنظيم المعلومات الحاضرة عند الإنسان للإستدلال على المطلوب.

والخلاصة أن التفكير المنطقي المبدع أمسى أهم الأسلحة للتعايش مع الحياة المعاصرة، وتحمل تبعاتها ومسؤولياتها، واتقاء سهام المغرضين عبر هذه الملوثات والأراجيف، وحتي إشعار آخر!!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة