انتهت أعمال قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي ببكين، والذي يعقد كل ثلاث سنوات منذ عام 2000، ويعد المنتدي عنصرا أساسيا في التواصل الدبلوماسي الصيني مع دول أفريقيا. وخلال الافتتاح ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ خطابا رئيسيا، أمام أكثر من ثلاثة آلاف من القادة والمسؤولين وممثلي الأعمال من الصين وإفريقيا، ويعد منتدى هذا العام أول قمة شخصية منذ جائحة «كوفيد»؛ حيث تم عقد اجتماع داكار عبر الإنترنت. ويستثمر القادة الصينيون والأفارقة على حد سواء هذا اللقاء لعقد اجتماعات ثنائية مختلفة.
وقال الرئيس الصيني إنه بعد ما يقرب من 70 عاما من العمل الشاق، تمر العلاقات الصينية الإفريقية بأفضل فترة لها في التاريخ. واقترح رفع العلاقات الثنائية بين الصين وجميع الدول الإفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، إلى مستوى علاقات استراتيجية، والارتقاء بالمستوى العام للعلاقات الصينية الإفريقية إلى مجتمع المستقبل المشترك للصين وإفريقيا في جميع الأحوال خلال العصر الجديد.
وطرح الرئيس شي في كلمته الإجراءات العشرة الرئيسية للشراكة بين الصين وأفريقيا لتعزيز التحديث بشكل مشترك. على سبيل المثال، (1) الصين على استعداد للتفاوض والتوقيع على اتفاقية إطارية بشأن الشراكة الاقتصادية من أجل التنمية المشتركة مع أفريقيا. (2) الصين على استعداد لإنشاء دائرة نمو للتعاون الصناعي مع أفريقيا، والتركيز على بناء منطقة تجريبية للتعاون الاقتصادي والتجاري العميق بين الصين وأفريقيا، وبناء مركز تعاون التكنولوجيا الرقمية بين الصين وأفريقيا بشكل مشترك. (3) الصين على استعداد لإصدار بيان مشترك مع أفريقيا لتعميق التعاون في إطار مبادرة التنمية العالمية وتنفيذ 1000 مشروع "صغير وجميل" لسبل العيش. (4) الصين على استعداد لتعميق خطة "التعليم المهني المستقبلي في أفريقيا" مع أفريقيا، وبناء كلية الهندسة والتكنولوجيا بشكل مشترك، وبناء 10 "ورش عمل لو بان" وما إلى ذلك. (5) عمل الشراكة في مجال الصحة. (6) عمل شراكة للنهوض بالزراعة... إلخ.
وأضاف الرئيس الصيني "أنه من أجل دفع تنفيذ أعمال الشراكة العشرة تحرص الحكومة الصينية على تقديم 360 مليار يوان صيني من الدعم المالي في السنوات الثلاث القادمة ..."
والجدير بالذكر أن فرق التفاوض الأفريقية والصينية تجتمع مرتين على الأقل في السنة منذ المنتدى الأخير؛ لكن الاجتماع الشخصي يمنح الرؤساء فرصة للمشاركة شخصياً في المفاوضات.
ويتميز التحديث العالمي في علاقات الدول والذي تسعى الصين لتحقيقه بأن هدفه التنمية السلمية، والتعاون المتبادل، والمنفعة والازدهار المشتركين.
المبادرات الصينية المتعددة التى ينبغي أن تستفيد منها كافة دول العالم خاصة دول الجنوب ومنها الدول الافريقية بطبيعة الحال. فخلال العقد الأخير، أطلق الرئيس شي العديد من المبادرات والمشاريع والبرامج في إطار سعي الصين لتوسيع علاقاتها وشراكاتها العالمية، وإيجادها لـ "نمطها الخاص" في التعاون الدولي، بعد النجاح الذي حققته كدولة نامية، حيث يعد النموذج الصيني أنجح نموذج تنموي واقتصادي وعلمي، فقد استطاعت الصين خلق "معجزة اقتصادية" في فترة وجيزة لا تتجاوز أربعة عقود.
ومن أبرز المبادرات الصينية العالمية، "مبادرة الحزام والطريق" (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين)، وقد أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في شهر سبتمبر 2013. وفي إطار هذه المبادرة، وقعت الصين "علاقات شراكات استراتيجية شاملة" و"علاقات شراكة استراتيجية" مع العديد الدول حول العالم، ما أتاح لهذه الدول استفادة كبيرة من المشاريع التي تم تنفيذها، والتى بلغت قرابة 3000 مشروع حول العالم.
كما أطلقت الصين مبادرات عالمية أخرى، من بينها "مبادرة التنمية العالمية" التي أطلقها الرئيس الصيني في سبتمبر 2021. وأكد خلالها أنه "لابد لنا من العمل على إنعاش الاقتصاد وتحقيق تنمية عالمية أقوى وأكثر اخضرارا وصحة".
كما دعا الرئيس الصيني من منصة الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون في مجالات مثل الحد من الفقر، والأمن الغذائي ومكافحة الأوبئة وتوفير اللقاحات وتمويل التنمية ومواجهة تغير المناخ وتشجيع التنمية الخضراء والتصنيع والاقتصاد الرقمي والتواصل.
وتهدف الصين من هذه المبادرة الوصول إلى "تضييق الفجوة بين الشمال والجنوب، وكسر اختلالات التنمية، التي توفر "سرعة" للنهوض بخطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، وتخلق قوة قوية لتعزيز تنمية عالمية أقوى وأكثر اخضرارا وصحة، وبناء مجتمع المصير المشترك للبشرية.
وكانت ثالث المبادرات الصينية "مبادرة الحضارة العالمية"، وقد أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال الاجتماع رفيع المستوى لحوار الحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب السياسية العالمية في مارس 2023.
وأكد الرئيس شي خلال كلمته التي أعلن فيها عن المبادرة أن التسامح والتعايش والتبادلات والتعلم المتبادل بين الحضارات المختلفة كلها أمور تلعب دورا لا غنى عنه في دفع عملية تحديث البشرية وازدهار حديقة الحضارة العالمية، نظرا لأن مصير جميع الدول مرتبط ارتباطا وثيقا في الوقت الراهن.
المبادرة الرابعة هي مبادرة الحياد الكربوني، وقد أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر 2020، خلال الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكد من خلالها سعي بلاده بجهودها القصوى إلى بلوغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون فيها ذروتها قبل حلول عام 2030، وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060.
ويرى كثبر من الخبراء المنصفون أن هذه المبادرات "طموحة" و"جريئة"، وتساعد كافة دول العالم ذو المصير المشترك.
توافق "مصرى صيني"
يؤكد الزعيمين المصري والصيني دوماً على ضرورة تضافر جهود المجتمع الدولى من أجل العمل على معالجة القضايا الساخنة والجوهرية التى تهدد أمن واستقرار العالم، وتحقيق التعافى الاقتصادى ومعالجة قضايا الأمن الغذائى وندرة المياه وتغير المناخ ومكافحة التصحر، إلى جانب ضرورة التزام كافة الدول بمسئولياتها فى هذا الصدد.
وأكدا في لقاءاتهما على أن مصر والصين ستواصلان العمل سويًا لمواجهة تلك التحديات الدولية وتعزيز التعاون والتنسيق المشترك بينهما فى المحافل الإقليمية والدولية، بما فى ذلك تجمع "بريكس" و"منظمة شنغهاى للتعاون"، والعمل على تعزيز دور الأسواق البازغة والدول النامية فى النظام الدولي.
وقد ثمّن الرئيس "السيسي" مبادرة التنمية العالمية، التى أطلقها الرئيس "شى جين بينغ" باعتبارها إحدى المبادرات العالمية التى تسهم فى الإسراع بتحقيق أهداف التنمية المستدامة وفقًا لأجندة ٢٠٣٠ للأمم المتحدة.
وأكد الرئيس "السيسي"، أن مصر "ستواصل المشاركة بنشاط فى التعاون بكافة المجالات فى إطار هذه المبادرة، مثمنًا "مبادرة الأمن العالمي" التى طرحها الجانب الصيني، معلنًا استعداد مصر لتعزيز التواصل والبحث فى التعاون مع الجانب الصينى حول سبل الحفاظ على السلام والأمن العالميين وتعزيزهما.
ولفت الرئيس "السيسي" إلى أن مصر تُقدّر "مبادرة الحضارة العالمية" التى أطلقها الجانب الصيني، لاسيما وأن مصر تشارك الصين ذات المبادئ القائمة على احترام الثقافات والحضارات الإنسانية على أساس من المساواة، مؤكدًا أن مصر والصين حضارتان عريقتان تضربان بجذورهما فى أعماق التاريخ، وكان لهما اسهامات كبيرة فى التاريخ الإنساني.
ولا شك إن تعاون الدول ذوات الحضارة مثل مصر والصين، بالتعاون مع دول أخرى ذات سيادة قوية، يُساهم بشكل كبير في منع هيمنة أي دولة أو مجموعة من الدول على النظام الدولي، ويُعزز من تعدد الأصوات والآراء في الساحة العالمية، كما أن مصر والصين تقدمان نموذجًا هامًا للبلدان النامية خاصة الأفريقية التي تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة دون تدخل خارجي وتُؤكّد شراكتهما على أهمية احترام السيادة الوطنية واختيار مسارات التنمية التي تناسب الظروف المحلية لكل دولة. كما يمكن أن تُساهم كل من مصر والصين بنشاط هام في الجهود الرامية إلى إصلاح نظام الحوكمة العالمية لجعله أكثر عدلاً وإنصافًا. وتُدافعان عن دور أكبر للدول النامية في صنع القرار الدولي، وتُطالبان بنظام تجاري عالمي أكثر إنصافًا ونموذج لتعاون دول الجنوب.
ويمكننا تقييم صدق الصين في جهودها لتعزيز التحديث المشترك بين الصين وأفريقيا من خلال عدة نقاط رئيسية وتؤكدها الحقائق والأرقام، فنجد الصين أظهرت التزامًا واضحًا بتعزيز الشراكة مع أفريقيا على مدى السنوات الماضية، سواء من خلال مبادرة "الحزام والطريق" أو التعاون في مجالات البنية التحتية، الصحة، التعليم، والتكنولوجيا. استمرار هذه المبادرات ودعمها بمشاريع جديدة يعكس الجدية في دفع عجلة التنمية المشتركة.
والحقيقة أن ما يميز خطاب الرئيس الصيني شي هو التركيز على مشاريع محددة وموجهة، مثل إنشاء مناطق التعاون الصناعي، مراكز التكنولوجيا الرقمية، والمشاريع الصغيرة لسبل العيش. هذه المبادرات تعكس حرص الصين على تقديم حلول ملموسة وقابلة للتنفيذ، وليست مجرد وعود أو توجهات عامة. فالصين دائمًا ما تؤكد على مفهوم الشراكة المتكافئة والمصالح المشتركة، والاستفادة المتبادلة حيث لا تسعى للهيمنة بل لتعزيز التعاون الذي يفيد كلا الطرفين. هذا النهج يعزز من مصداقية الصين كشريك استراتيجي لأفريقيا.
ونستخلص من هذه القمة المنعقدة في بكين أن التعاون الصيني الأفريقي لديه القدرة على أن يكون قوة دافعة لتحويل الجنوب العالمي إلى كتلة اقتصادية قوية ومستدامة، تعتمد على التكنولوجيا والتعاون المثمر بين دول الجنوب. خاصة مع ازدياد أهمية الاقتصاد الرقمي، ومن المتوقع أن يشهد التعاون الصيني الأفريقي في هذا المجال نموًا ملحوظًا وإنشاء مراكز التكنولوجيا الرقمية سيساعد في نقل المعرفة وتعزيز الابتكار في الاقتصادات الأفريقية.
كذلك فان تعزيز المناطق الصناعية سيكون له تأثير كبير على التنمية الاقتصادية في أفريقيا، حيث سيساعد في تطوير سلاسل التوريد المحلية ويخلق فرص عمل، ما يساهم في تحسين مستويات المعيشة.
*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
الخبير بالشأن الصيني
وكيل الوزارة السابق بالهيئة العامة للاستعلامات