رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

منذ قديم الأزل تسير منظومة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية جنبا إلى جنب، ومخطيء تماما من يظن أنه لا فائدة من أي منهما علي حساب الآخر وتلك حقائق لا تقبل الجدل العقيم والمراء المغرض،مهما تبدلت الأحوال وحاصرتنا متغيرات العصر متسارعة الخطا والتداعيات والتأثيرات!.

والمتفحص للتاريخ بتمعن وتدبر سيري كيف كانت التركيبة السحرية لإدارة شؤون الدنيا والاشتباك مع واقع الحياة ومشكلاتها والتي جمعت العالم والأديب في بوتقة هدف واحد ،وربما في شخص واحد ،والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

كما كان للفلسفة اليونانية والإسلامية بعلمائها الأفذاذ دور كبير في تطور العلوم وصنع حضارة علمية تأسست عليها نهضة أوروبا ،فالجيل الأول من عصر الحكماء كان مهتما بالعلوم الطبيعية وكيفية توظيفها لتحقيق الرفاهية وإعمار الأرض وصولا جودة الحياة والمدينة الفاضلة ،والتطلع دائما لما هو أفضل.

ومع تطلعات عصر الحداثة وما بعدها ،اهتم المعاصرون من الفلاسفة بدراسة الجوانب الأخلاقية والإنسانية والقيمية للتطورات التكنولوجية ولتقنيات الذكاء الاصطناعي ،بحثا عن كيفية ضبط تطبيقاته وطموحاته، بما يعود بالنفع علي أبناء المعمورة وتجنب التأثيرات السلبية للإنسان البديل،والوجه المظلم المجرد من المشاعر والقيم، والذي يكرس مشاعر الاغتراب والتمرد والانطلاق إلي عوالم افتراضية وانعزالية تدشن لعوائق ومسافات طبقية وفجوات بين أبناء المعمورة ومسافات أخري وجدانية ، بين الإنسان ونفسه وبين كينونته الفطرية، وهو مفهوم واسع يشمل الميزات الموضوعية والذاتية للواقع والوجود والرسالة!.

وأعتقد أنه من صور المنطق والحكمة ضرورة إدارك طبيعة العلاقة الوثيقة بين العلوم الطبيعية التجريبية والعلوم الإنسانية النظرية ،والتي تصب في النهاية في صناعة حياة متحضرة متكاملة العناصر بشقيها المادي والأدبي.

وما بين الأمس واليوم والغد ستظل العلوم الطبيعية هي أساس بناء الحضارة المادية المشهودة.

أما العلوم الانسانية والاجتماعيه فهي أهم مرتكزات الحضارة التربوية والوجدانية لعلاقتها الوثيقة بتشكيل منظومة القيم والهوية والأخلاق ،وتحديد طبيعة وأنماط العلاقات بين أبناء المعمورة..

كما أن لها علاقة وثيقة بتعزيز مفاهيم الانتماء والولاء للأسرة وللوطن ودعم قيم التعاون والمشاركة والمسؤولية الاجتماعية،ومن ثم فهي أهم أسباب نجاح كافة الأنشطة المادية والتطبيقية.

كما تسهم العلوم الانسانية والاجتماعية بصورة مباشرة وغير مباشرة في إعداد المواطن الصالح المسؤول ،وضبط سلوكياته وغرس الاتجاهات الإيجابية نحو البيئة ونحو المجتمع ،وتعزيز مرتكزات التنمية المستدامة التي تعتمد في المقام الأول على فكرة تعميق المسؤولية البيئية والمجتمعية نحو الحفاظ علي الثروة والأخذ بأسباب التقدم والتحضر وترشيد استهلاك الموارد والحفاظ علي حق الأجيال القادمة في حياة آمنة وكريمة ومستقرة.

ولا أدري سببا مفهوما لمحاولات خلط الأوراق وتسميم المزاج الثقافي والقفز علي الأصول الفكرية التي اعتادها الناس والتشكيك في بعض المفاهيم التي تحدد ماهية العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ،ومدي الترابط بينهما في منظومة شبه تكاملية لا تقبل الشك والجدل العقيم!.

لقد اعتاد بعض الإعلاميين عبر أبواق عدد من الفضائيات إلقاء أحجار خبيثة في بحيرات المجتمع الهادئة ،وطرح موضوعات مثيرة للجدل دون هدف أو إدراك لخطورة ما يروجون له ،بغية تحقيق ال"تريند"، أو تحقيق أغراض مادية دون إدراك للمسؤولية الوطنية والاجتماعية ولخطورة هذه الرسائل المغرضة والمضامين الموجهة التي تقدمها هذه القنوات عبر السخرية من المواد الأدبية والنظرية والفلسفية وتقليل من شأنها، وجدوي نتائج الأبحاث العلمية بشكل عام !.

وعلي النقيض ظهرت دعوات إيجابية لتوظيف مشروعات التخرج ونتائج الدراسات العلمية بكافة فروعها ،وتوصيات ومقترحات رسائل الدكتوراه والماجستير في خدمة قضايا التنمية المستدامة وتعزيز التصنيع والانتاج المحلي.

وطالبت هذه الأصوات إخراج هذه الكنوز من الأدراج وتقديمها للجهات المختصة، والعمل الجاد لربط الجانب النظري بالواقع الميداني، بما يدعم مشروعات الدولة ويخدم قضايا التنمية المستدامة، ويسهم بصورة فعالة في تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، وهو اتجاه يستحق الثناء والدعم والتقدير.

كما لا يليق بمن يدعون كذبا وبهتانا أنهم أرباب الفكر التنويري التوعوي الخوض في هذه الأراجيف، واستمراء هذه الممارسات الإعلامية الشاذة لخدمة أغراض مادية واستثمارية بحته ، دون إدراك لأهمية العلوم الأنسانية والاجتماعية ،وأهميتها الأخلاقية والقيمية والتي يقف مرددوها كحائط صد ضد طغيان وجموح العلوم المادية البحتة ،وضد رغبة أصحاب الاتجاه في تفريغ العلاقات الإنسانية وكافة أنشطة الحياة من الضوابط القيمية والأخلاقية ،والانطلاق نحو رأسمالية متوحشة لا تلتف للقيم والمبادئ ،وتراها شيئا من الماضي.

واعتقد أن موجات طغيان القيم المادية الرأسمالية الجامحة أمست في حاجة ملحة لوقفات حاسمة كي لا تقودنا إلي الهاوية..ونقطة اللاعودة!.

والخلاصة أن مؤشرات ومعطيات الواقع والتاريخ تؤكد بما لا يدع مجالا للتشكيك أن الحضارات القديمة والحديثة والمعاصرة اعتمدت على فكرة تكامل العلوم الطبيعية والانسانية.

واعتبارا من عصر النهضة الصناعية وما بعدها وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت دعوات جادة في اوروبا والدول الغربية ،وبعض دول الشرق المتقدمة لمزيد من الاهتمام بالعلوم الطبيعية لخدمة طموحات ومتطلبات عصر التكنولوجيا والتنافس والتفوق الحضاري وتحقيق معدلات انتاجية عالية عبر استراتيجية التصنيع المكثف لتحقيق التواجد الأممي في مصاف الدول الصناعية الكبري ولتحقيق معدلات تنموية وإنتاجية عالية الجودة والتميز ،كما وكيفا.

وبعد ظهور الوجه القبيح لمسالب هذا الاتجاه حذر بعض المتعقلين من أبناء ونخب الغرب من الانهيار التدريجي للحضارة الغربية ، بسبب الإمعان في تعزيز القيم النفعية والمادية علي حساب القيم الروحية والدينية والأخلاقية وهو ما تقدمه وتعززه العلوم الإنسانية بمختلف روافدها التوعوية والتربوية.

هذا هو الواقع بكل ملامحه وتفاصيله التي يغفل عنه المرجفون والمغرضون ،أما محاولات النيل من المواد الفلسفية وأبعادها عن منظومة الحياة المعاصرة وحول أهمية الفلسفة باعتبارها أم العلوم ودورها المحوري في دعم تطور العلوم الأخري، فلنا معه حديث آخر بإذن الله عبر سطور من الألف إلى الياء.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة