دشن حسن نصرالله، استراتيجيته غير المسبوقة " يواش يواش" ردا على تجاوزات إسرائيل الأخيرة واغتيال فؤاد شكر، الذى يمثل رئيس أركانه، وإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.
خطاب نصرالله الذي دشن فيه تلك الاستراتيجية والقاه بمناسبة مرور أسبوع على جريمتي الاغتيال، حمل أيضا بعض النقاط المثيرة التي قد تقلل من سخونة التصعيد والعسكرى وتفتح باب للتراجع الايرانى عن الوعد الذى قطعة المرشد الأعلى لضرب تل ابيب مباشرة ردا على اغتيال هنية، واعتبر نصرالله، ان استعداد وانتظار إسرائيل لمدة أسبوع لتلقي الضربات الموعودة، هو عقاب حقيقي. وان الرد قادم ولكن" يواش يواش" اى بدون استعجال، وهو عكس ما كان يروج له بعد عمليتي الاغتيال، والأكثر انه دعا الى ضرورة استبعاد ايران وسوريا وقال نصر الله إن "طهران ليس مطلوباً منها الدخول في قتال دائم".
نصرالله، وطوال مدة الخطاب كان غاضبا ومتوترا، لكن يبدوا ان الضغوط التي مورست عليه وعلى ايران كانت أقوى من أن يتحدياها، أو على أقل تقدير فان الاغتيالات الأخيرة كشفت بما لا يدع مجالا للشك حجم الفروقات والفجوة الهائلة بين أوهام القوة لدى ايران واذرعها وحقيقة ومتطلبات النجاح والسيطرة على الأرض مع إسرائيل. ولا يمكن استبعاد ان يكون اختيار يحي السنوار لخلافة هنية جزء من عقاب تل ابيب التى فشلت حتى الآن فى الوصول اليه فى قطاع غزة، ورهن مفاوضات الرهائن فى يد الشخص الوحيد الذى يمثل الشخص رقم واحد على قائمة المطلوبين.
على كل الأحوال فان نبرة التراجع في الخطاب كانت عقلانية، لأنها على الأقل افشلت استراتيجية نتنياهو الساعي الى جر ايران لحرب مباشرة كان يعارضها ولا يزال الرئيس الأميركي جو بايدن.
فحتى قبل احداث السابع من أكتوبر الماضي، والاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة كانت الخلافات تبدو ظاهرة للعيان بين بايدن، ورئيس الوزاء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالثاني كان يرى انه جاء متأخرا لحكم أمريكا. ومع كل الدعم الذي تحظي به إسرائيل دائما في ظل حكم الديمقراطيين في البيت الأبيض، الا انه مع هذا الرجل "التائه" يمكن ان تحصل تل ابيب علي مزيد من الدعم.. وبدا هذا جليا في اعقاب اجتياح غزة من خلال تواجد الاساطيل البحرية الامريكية امام شواطئ إسرائيل ودورها الحاسم للتصدي للهجوم الإيراني عليها بعد قصف قنصلية طهران في دمشق.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر، غيرت إسرائيل من استراتيجيتها الدفاعية، واصبح هدفها الأول يتمثل في انهاء ما يسمي ب "وحدة الساحات" هذا المحور الذي شكلته ايران بواسطة اذرعها العسكرية في العراق، اليمن، لبنان، وغزة بالإضافة الي الراعي الرسمي طهران. وفي اكثر من مناسبة حاول نتنياهو جر ايران لمواجهة عسكرية مسلحة الا ان بايدن والإدارة الامريكية كانت ترفض توسيع جبهات القتال خوفا من انزلاق الأمور الي حرب إقليمية يصعب السيطرة علي تداعياتها، فضلا عن انها ستكون سببا لدخول اطراف غير مرغوب فيها أمريكا مثل الصين وروسيا.
ظل بايدن قادرا بشكل او بآخر علي كبح جماح نتنياهو ونجح في اكثر من مناسبة، خاصة فيما يتعلق بالصراع مع إيران التي كانت تدرك هذه الحقيقة واستغلتها فعليا للهجوم على إسرائيل، وأطلقت في ابريل الماضي هجوماً واسعاً شمل نحو 300 قطعة جوية بين طائرات مسيرة وصواريخ، في انتقام توعدت به رداً على مقتل عدد من قادتها العسكريين بغارة إسرائيلية استهدفت قنصليتها في دمشق.
حتي حانت الفرصة عندما قرر الرئيس الامريكي التنحي من الترشح لفترة ثانية عقب المناظرة الكارثية مع الرئيس السابق دونالد ترامب. ليتحول بعدها بايدن الي "بطة عرجاء" لا تملك من أمرها شيئ، ويفقد تقريبا ٨٠٪ من قدرته واوراقه لفرض شروطه علي أي طرف، ويبقي الوضع بالنسبة له كذلك حتي موعد تنصيب الرئيس الجديد. هذه الأجواء هي التي شجعت نتنياهو ان يكون اكثر قوة واستقلالية في اتخاذ قرار التصعيد ضد ايران للوصول لهدفه الاستراتيجي وهو ضرب رأس الافعي وقطع اذنابها. وجاءت ضربة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية اثناء مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد، لتحقق اكثر من هدف، واولها التخلص من هنية المسئول عن هجوم ٧ أكتوبر، والثاني احراج ايران وكشف مدي ضعفها في تأمين واحد من أهم فعاليتها السياسية، الثالث هو فرض اجندة مغايرة لما كان يأمل فيها الرئيس مسعود بزشكيان تحسين العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة الامريكية.
بايدن، كان يأمل في وقف إطلاق النار في غزة ينهي به فترته الرئاسية، لكنه في حقيقة الأمر يشعر أن رئيس الوزراء نتنياهو يتلاعب به، بل قالها في محادثة هاتفية حاسمة قبل اسبوع بين الرجلين “توقف عن خداعي” على حسب ماذكره موقع " تايمز أوف إسرائيل ". كما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن بايدن قال خلال المكالمة إن اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في إيران جاءت “في توقيت سيء” وفي الوقت الذي كان يأمل فيه بأن تكون هذه هي المرحلة النهائية” في محادثات وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن.
بالتأكيد أن نتنياهو يشعر بجرأة أكبر لضرب إيران منذ قرار بايدن في 21 يوليو الانسحاب من السباق الرئاسي الأمريكي 2024. وهو الانسحاب الذي يمثل تغييرا كبيرا في قواعد اللعبة فى الشرق الأوسط خاصة ان بايدن نفسه الان يشعر بإحباط كبير بسبب تجاوزات نتنياهو الذى يزداد إصرار على تنفيذ استراتيجيته السابقة في هذا التوقيت مهم لعدد من الأسباب، أولا، فقد أكملت إسرائيل إلى حد كبير عملياتها العسكرية في غزة، مما قلل بشدة من قدرات حماس. ثانيا، لا يوجد رئيس أمريكي قوي الآن يمكن ان يعرقل الوصول الي هدفها الأول -ايران- في المنطقة. ثالثا، يعرف نتنياهو من اجتماعاته الأخيرة في واشنطن أنه إذا أصبحت كاميلا هاريس رئيسا، فمن المرجح أن تكون أكثر صرامة على إسرائيل من بايدن، الذي يشير باستمرار إلى نفسه على أنه صهيوني - بغض النظر عما إذا كانت سياساته داعمة لإسرائيل أم لا. على النقيض من ذلك، ستمارس هاريس ضغطا كبيرا على نتنياهو لإجهاض الهجمات العسكرية. حتي لوعاد ترامب الي البيت الأبيض مره اخري فلن يكون هو نفسه خلال فترة ولايته الاولي ، لأنه لا يسعى في الفترة الجديدة إلى بدء الحروب أو توسيعها.
على العكس من ذلك، يريد استعادة النظام وإنهاء الصراعات. وبالتالي، لا يوجد ما يضمن أنه سيعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لشن هجوم كبير ضد ايران واذرعها للقضاء على "وحدة الساحات". لكن ربما جاءت استراتيجية " يواش يواش" لتعيد التهدئة إلى الأجواء على الأقل مؤقتا.