لمحات إنسانية
الأداب العامة ومتغيرات الحياة العصرية قضية هامة ومحورية تمس الفرد والمجتمع و تشكل جزء من النظام العام الذى يرتقى بالأمم والمجتمعات بإرتقاء السلوكيات والأدبيات والذوقيات والأداب العامة.
فى ظل الحياة العصرية حدثت بعض المتغيرات فى الأداب العامة منها ما يعد ايجابيا وأخر سلبيا..
فتعالوا معا نتناقش فى مفهوم الأداب العامة والمتغيرات السلوكية التى طرأت على مفهومها وتطبيقها وإلتزام الأفراد بها وكيفية معالجة السلبيات وترسيخ الإيجابيات من أجل الإرتقاء بالمجتمعات..
فى البداية دعونا نعرض مفهوم الأداب العامة فى القانون والدين والاجتماع..
-فلقد عرف فقهاء القانون الأداب العامة بأنها ..
مجموعة القيم والمبادئ الأخلاقية التي تساهم في بناء المجتمع والحفاظ عليه و تمثل جزءًا من النظام العام في قانون كل بلد. وتأتي أهمية الآداب العامة في محافظتها على المجتمع والحد من انحلاله ويرتبط هذا المفهوم بالمعتقدات الدينية والأخلاقية والعادات والتقاليد في المجتمع ويجب الالتزام بها وعدم المساس بها على جميع أفراد المجتمع الالتزام بالآداب العامة والعمل على حفظها وحمايتها حيث أن الانحراف عنها يؤدي إلى تدهور الأوضاع وانهيار المجتمع..
-عرف علماء الدين الأداب العامة بمسمى الآداب الإسلامية و هي ..
مجموعة سلوكيات وأفعال وتصرفات حمیدة وردت في الشریعة الإسلامیة وتؤدي إلی احترام النفس واحترام الآخرين في المجتمع وتشتمل هذه الآداب علی كيفية احترام الذات واحترام الآخرين وحسن التعامل معهم بطرق حسنة ولبقة أو تشتمل علی آداب في الخصال الحميدة أو السلوك المقبول اجتماعيا..
-عرف علماء الاجتماع الأداب العامة بأنها..
الآداب الاجتماعية و السلوكية واللباقة وفن التصرف في المواقف الحرجة وفن التعامل مع الأشياء ومرجعيتها الثقافة الإنسانية الشاملة التي قلما تختلف من بلد إلى آخر..
فهذه يعض التعريفات للأداب العامة من خلال فقهاء القانون والدين وعلماء الإجتماع
من وجهة نظرى..
هناك العديد من الثوابت التى لا تختلف من مجتمع لأخر ومن زمان لأخر وهى الثوابت والقيم والمبادئ الإنسانية والعادات والتقاليد والخصال الحميدة والأخلاق المتعارف عليها والعقائد والأديان وهى لا تتغير من زمان ومكان لأخر.
والسؤال الذى يطرح نفسه ما هى المتغيرات العصرية التى حدثت فى المجتمع وتمس الأداب العامة؟
هناك العديد من المتغيرات التى حدثت فى المجتمع منها ما هو إيجابى ومنها ما هو سلبى..
المتغيرات الإيجابية ومنها احترام حرية الفرد والخصوصية والإلتزام القانونى والوعى المجتمعى والتطور التكنولوجى نتيجة استخدام وسائل الانترنت فأثر بالإيجاب على بعض سلوكيات أفراد المجتمع والأداب العامة..
هناك العديد من السلبيات التى حدثت فى لبعض أفراد المجتمع وأختلفت لديهم بعض المفاهيم للأداب العامة وتظهر فى العادات السلوكية مثل عدم إحترام الكبار وعدم الوقوف لكبار السن وضعف احترام المعلم،عدم التوقير للكبير وإحترام رأيه والتهكم وظاهرة التنمر ، الصوت العالى ،استخدام مكبرات الصوت، مخالفة العادات فى مراعاة الجار ورعاية المرضى، الرقص فى حفلات التخرج ، بعض فيديوهات التيك توك الغير منضبطة والحلقات المسجلة ،تتبع الأخرين واللغو والحديث غير الهادف والخوض فى خصوصية الأخرين وكشف أسرار حياتهم وغيرها من السلوكيات المخالفة لقيمنا ومبادئنا وأعرافنا وديننا ..
بما يجعلنا فى أمس الحاجة للبحث عن الأسباب ووضع رؤية إصلاحية لعلاج هذه السلوكيات المخالفة للأداب العامة..
فى البداية دعونا نتفق أنها ليست ظاهرة عامة بل خاصة ببعض الأفراد ولكنها تحتاج إلى القضاء على الأسباب التى ادت لظهورها ومعرفتها طريق الإصلاح السلوكى وذلك من خلال علماء الاجتماع والدين والقانون ووضع رؤية إصلاحية.
فدعونا نتناقش فى الأسباب والحلول المقترحة كرؤية فكرية لمواجهة المتغيرات لمفهوم الأداب العامة والسلوكيات المجتمعية..
والسؤال ما هى الأسباب التى أدت إلى تغير منظور الأداب العامة والسلوكيات المجتمعية ؟
هناك العديد من الأسباب منها..
ظهور وسائل الإتصال الحديثة واستخدامها الاستخدام السئ لدى البعض مما أثر على سلوكيات بعض الأفراد بالسلب وليس بالإيجاب..
الظروف العالمية المحيطة بالمجتمع من حروب وصراع فأثر بالسلب على السلوكيات المجتمعية عند بعض الأفراد..
تراجع دور الأسرة نتيجة لبعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية مما اثر على السلوكيات لبعض الأبناء فى الاحتفاظ بالقيم المجتمعية والعادات السلوكية الصحيحة..
بعض وسائل الإعلام التى حادت عن الهدف التنويرى والثقافى وعرض نماذج سيئة لابطال المواد الدرامية الذين يتبعوا سلوكيات منحرفة سواء العنف والبلطجة والتعدى والألفاظ الغير سليمة والسباب والتعدى على الكبار فاتبعهم الصغار والمراهقين نتيجة عدم اكتمال مرحلة النضج لهم ..
ضعف مواكبة لغة الخطاب الدينى لمتغيرات الحياة العصرية فى الأداب والسلوك ..
تراجع دور المؤسسة التعليمية والثقافية والرياضية فى تعليم النشء الأداب العامة كسلوك وإلتزام..
هذه بعض الأسباب التى أدت إلى التغيرات الإجتماعية فى الأداب العامة..
والسؤال ما هى الحلول المقترحة لعودة الإلتزام بالأداب العامة كسلوك حضارى ؟
هناك العديد من الحلول والرؤى المقترحة لعودة قيمنا الجميلة وسلوكياتنا التى تعبر عن ثقافتنا وتاريخنا أعرافنا وثوابتنا المجتمعية.
(دور الأسرة)
ترسيخ المبادئ والقيم المجتمعية والسلوكيات الصحيحة للأبناء فهى المنبع التى يستقى منه الأبناء المفهوم الصحيح للأداب العامة والسلوكيات والذوقيات عن طريق المحاكاة للوالدين فى الوقوف احتراما للكبير وتوقيرة واحترام أداب الطريق والوقوف للمارة ومساعدة كبار السن المرأة والشيخ المسن والعطف على الصغير واداب الزيارة وموائد الطعام وغرس الأشجار ونظافة البيت والشارع وعدم التعدى على خصوصية الغير وعدم التهكم والتنمر على الاخرين ، أى بمعنى اصح التحلى بالخلق القويم والسليم والاستعانة بكتب فى مبادئ التربية للأطفال فهم مسئولية الأباء..
(دور الدين)
دور الدين محورى فى تعليم وتربية الأبناء على المفهوم الصحيح للمعاملات كما أمرنا بها الله سبحانه وتعالى ودعوة الرسل والأنبياء ونذكر لهم بعض أيات من الذكر الحكيم التى تدعو للتحلى بالأداب العامة ومكارم الأخلاق ومنها.. وصايا لقمان لأبنه قال تعالى
(يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ (17)
وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ (18) وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ (19)
صدق الله العظيم.
هذه بعض وصايا لقمان الحكيم لأبنه لتكون وصية للأبناء على مدى الزمان..
اتباع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان خلقه القرإن
قال رسول الله
"اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ"
صدق رسول الله...
سورة الحجرات تحمل دعوة ربانية فى التحلى بالأداب العامة..
قال تعالى
( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ )
صدق الله العظيم .
هذه دعوة إلى عدم الغيبة وسوء الظن والتجسس وهذه دعوة لإصلاح النفس.
سورة القصص وقصة سيدنا موسى .
قال تعالى..
( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( 24 )
فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ( 25 )سورة القصص
صدق الله العظيم ..
فهذه الأية تدل على مساعدة المرأة الضعيفة والعطاء والخجل والشكر وكلها صفات محمودة ..
هذه بعض الدروس القرأنية لتصحيح السلوكيات والإلتزام بالأداب العامة والتحلى بمكارم الأخلاق..
(دور الإعلام)
دور هام وحيوى فى نشر الأداب العامة والقيم المجتمعية والسلوكية عن طريق تقديم برامج هادفة تنشر الوعى والفكر والثقافة وتخاطب الأبناء بلغة عصرية عن طريق المفكرين وعلماء النفس والاجتماع والدين..
تقديم محتوى هادف يبنى الشخصية ويقوم السلوكيات وينشر الأدبيات ويظهر الجمال لا القبح ويعالج المشكلات والتحلى بجمال الكلمات وفن المعاملات حتى يعود للمجتمع لغته الجميلة والسلوكيات الصحيحة وإظهار نماذج ذو فكر وعلم وخلق وهناك أمثلة للمحتوى الهادف ومنهم..
أبو العلا البشرى النموذج الإصلاحى وضمير أبلة حكمت المربية الفاضلة مثالا للرسالة الدرامية الإصلاحية..
ومن البرامج الهادفة برنامج العلم والإيمان د /مصطفى محمود وحديث الشيخ الشعراوى فهذه برامج هادفة تعلم الأجيال المفاهيم الصحيحة للأديان والأخلاقيات والسلوكيات والأداب العامة ..
تطبيق قانون ميثاق الشرف الإعلامى على المخالفين له حماية للمجتمع من نشر محتوى هادم لمنظومة القيم والأخلاق والأداب العامة..
(دور المدرسة)
غرس القيم والمبادئ والسلوكيات الصحيحة عن طريق تربية النشء ومنحه علوما وثقافة ومعرفة و الأداب العامة والسلوكيات الصحيحة والأخلاق الحميدة والمعاملات السليمة مع المدرس واحترامه وكيفية تعامله مع زميله فى المدرسة ونظافة المكان واحترام العاملين بالمؤسسة والقائمين بالخدمات فكلا له احترامه وتقديره فدور المدرسة هام وحيوى فى غرس الأداب العامة والسلوك الحضارى..
(دور الثقافة)
دور الثقافة محورى للإرتقاء بسلوكيات الشعوب وهذه الثقافة نابعة من البيئة المصرية تاريخها وحضاراتها وقيمها واصولها مع التعرف على ثقافة الشعوب وما اخرجته إلى البشرية من مظاهر سلوكية وحضارية والبعد عن سلبيات المجتمعات والشعوب، فالثقافة الشاملة تبنى الشخصية وتقومها وتجعلها محصنة ضد التغريب ..
فهذه هى الحداثة بما لا يخالف الأصالة والجذور والثوابت
(دور الرياضة)
الرياضة سلوك وممارسة وهى من أهم المؤثرات على النشء فيجب ممارسة الرياضة للأطفال وتعليمهم السلوك الرياضى الصحيح فى احترام أطراف اللعبة مدرب ولاعب ومنافس وكيفية التشجيع الملتزم برقى وخلق وعدم الإعتداء بالقول والغعل بل احترام الفريق المنافس وشرف الهزبمة والالتزام الخلقى والأداب العامة..
(دور القانون)
من اهم الادوار لمعرفة الأداب العامة ومفهومها ومظاهرها وسلوكياتها وجزاء مخالفتها عن طريق غرس شجرة القانون فى نفس النشء ليصبح الإلتزام القانونى سلوكا وإلتزاما فأهمية القوانين تنبع من تنظيم سلوكيات الأفراد فى المجتمع والإلتزام بالأداب العامة والقيم والمبادئ المجتمعية والسلوكية والإلتزام القانونى عن طريق الوعى بمفهومها وغايتها والعقوبة الموقعة فى حال المخالفة وبذلك يتحقق المنع والردع مثال لذلك الالتزام بقانون حماية المستهلك وعدم الغش التجارى وحجب المنتجات فهذا مخالفا لللقانون والدين ومثال أخر التعدى على الخصوصية والتصوير بدون تصريح فى الافراح والجنازات، وتسجيل المكالمات، وغيرها من السلوكيات المخالفة للأداب العامة والقوانين والأعراف بما يستوجب العقوبة القانونية والرفض المجتمعى لهذه السلوكيات ..
هذا مقترح و رؤية إصلاحية لعودة الإلتزام بالأداب العامة والقيم والمبادئ والعادات الصحيحة والسلوكيات القويمة التى ترتقى بالفرد والمجتمع..
فنحن نمتلك من المقومات والصفات والسمات و الأداب العامة والموروثات الصحيحة والأدبيات بما يجعلنا نرتقى بمجتمعنا ونترك أرثا وأثرا فى البشرية ..