رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

لا يختلف اثنان من المحللين ،أوالمنصفين في دنيا الناس على أن صناعة الفوضي وإثارة النزاعات وإحياء النعرات الطائفية والأيديولوجية سياسة استعمارية قديمة ترتدي الآن ثيابا عصرية تحت دعاوي مزيفة كدعم الانتقال الديموقراطي ومساندة الحالمين بالحرية وحقوق الإنسان، أو تحت دعاوى حق الدفاع عن النفس كما هو الحال مع الكيان الصهيوني، وفقا لما يدعيه كذبا ويحاول عبثا إقناع دول العالم به!.

كما أن عقيدة غرس الفتن ،وإشعال الخلافات والتوتر هي عقيدة عدائية متجزرة لدي إسرائيل عبر مراحل التاريخ القديم والحديث والمعاصر،وهي من أكبر المستفيدين من صناعة الفوضى الشرق الأوسط ،وتنطوي سياساتها دائما علي خلق أزمات متتالية وتهيئة أجواء التعايش السلبي والتوجس واللاحسم والخلافات المستمرة.

إنها سيناريوهات معدة سلفا وفقا لرؤي استراتيجية خبيثة تنطوي علي بدائل وآليات، فليس من قبيل الصدفة أن ترفض إسرائيل كل أطروحات إنهاء مأساة أهل غزة ووقف المجازر اللإنسانية في حق الشعب الفلسطيني والتهدئة
وتثبيت وقف إطلاق النار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية وإنقاذ الأبرياء والمدنيين من المجاعة والتشرد والأوضاع المأساوية التي تتفاقم مع عجز المجتمع الدولي عن إخضاعها لصوت العقل والمنطق.

وليس صدفة أن تصر علي التصعيد وجر المنطقة إلي محطات أخري من الفوضي والتوتر ،مع بدء سلسلة من الاغتيالات انتهت مؤخرا باغتيال اسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ،وفي طهران عقر دار دولة إيران ،وهي رسالة تحمل الكثير والكثير من المعاني والإشارات !.
ومن آن لآخر تعلن تل أبيب عن توجسها وقلقها بشأن تنامي مشروع طهران النووي وتخوفها من صناعة عشرات القنابل الذرية، مما يؤثر حتما في ميزان الردع النووي ،ويهدد نفوذها الإقليمي في هذا المجال.
ويوما بعد يوما تتكشف الحقائق حول طبيعة الدور الصهيوني في تنفيذ مخطط الفوضي بالشرق الأوسط ،بعيدا عن حقيقة الصراع الإيراني الإسرائيلي وتناقضاته وأسراره،ودون خوض في تحليل ردود فعل طهران التي تثير العشرات من علامات الاستفهام فهي تقدم رجلا وتؤخر أخري دون اتخاذ قرارات حاسمة ومؤثرة!.

وبصفتهم الأزلية ككيان متجبر مغتصب فلم يعرف آل صهيون يوما الحرب العادلة، ولا قواعد الخصومة الشريفة التي تجرم قتل المدنيين والأبرياء والأسري، فانتهجوا عقيدة التصفية الجسدية ودأبوا علي
التخلص من الخصوم ورموز المقاومة بالاغتيالات والتفجيرات ، كما تورط جهاز الموساد من قبل في اغتيال عدد كبير من علماء ونوابغ العرب.
لقد صارت اسرائيل بلية العالم والمحرك الأول للفتن وصناعة الفساد بمختلف دول الجوار ،بسبب الرغبة المستمرة في تقوية شكوتها ،وإضعاف الآخرين بغية تحقيق أهدافها واستراتيجياتها الخبيثة !.

ووفقا لمؤشرات الواقع وتداعيات الأحداث فقد أصبحت وأمست إسرائيل أيضا أحد أدوات تنفيذ استراتيجية
"الفوضى الخلاقة" ،وهو مصطلح سياسي يقصد به خلق حالة سياسية بعد مرحلة فوضى متعمدة من خلال أشخاص أو جماعات دون الكشف عن هويتهم وذلك بهدف تعديل الأمور لصالحهم.
وبدون أدني شك يمكننا القول إنها استراتيجية القوة الفاعلة من دول الغرب المناصرة لبقاء القطب الأوحد ،الذي يصارع من أجل البقاء واستمرار هيمنته ومنع طموحات المعسكر الشرقي من إقرار نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ،متكافيء القوي يسمح للجميع بأداء أدوار رئيسة ومؤثرة في مسرح الحياة الأممية!.

وتشير التقارير إلي أن أول من دعا إلي ضرورة إحداث الفوضي الخلاقة في الشرق الأوسط والعالم العربي هو المستشرق اليهودي "برنارد لويس" ؛ حيث نصح بضرورة توظيف فكرة "ةلانتقال إلي الديمقراطية "بالمفهوم الغربي" وسيلة لمواجهة الإرهاب الراديكالي الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة.

كما أعلن "لويس" منذ
الثمانينيات من القرن الماضي بأن التقسيم الحالي للمنطقة غير مناسب ويجب أن يتغير بحيث يتم تقسيم المنطقة علي أساس عرقي وديني.
كما قال في حديث له بالجامعة العبرية في القدس يناير 2007:
«إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن إخضاعهم للتحضر ، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة إحتلالهم وإستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية. وتطبيقاتها الاجتماعية، وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان.
كما أشار "برنارد لويس" إلي ضرورة إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم، ولذا يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية محذرا من خطورتهم وتهديدهم للحضارة الغربية.

وقد رجح العراق كبداية لتنفيذ مشروع نشر الديمقراطية بهذا المفهوم المغلوك وقد علل ذلك بالثروة النفطية ووجود طبقة متوسطة كبيرة وماضي عريق ومجتمع علماني ودعا لتقسيمها لثلاث دويلات شيعية وسنية وكردية.

ويعد "برنارد لويس" الأساس الأيديولوجي للسياسات الأمريكية في العالم العربي والإسلامي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية التسعينيات من القرن الماضي.

وفي مطلع عام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأميركية "كونداليزا رايس" بحديث صحفي مع جريدة واشنطن بوست الأميركية، أعلنت حينها أن نظرية "الفوضى الخلاقة" أصبحت أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، وعن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل مايُعرف ب "الشرق الأوسط الجديد".!
وبالفعل بدأ تنفيذ مخطط الفوضي الخلاقة منذ الحرب الأهلية العراقية (2006-2008) في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق 2003م والإطاحة بصدام حسين.
وقد تم اعتبار ثورات الربيع العربي التي انطلقت عام 2011 تطورت لحروب أهلية دامية ،بأنها بداية الفوضي في باقي الدول العربية التي وعدت بها "رايس" صراحة وعلي رؤوس الأشهاد!.

وتبقي الحقيقة التي لا تقبل الشك والجدل ،وهي أن الفوضي الخلاقة كان هدفها الأول تدمير وإضعاف جيوش الدول العربية المعادية لإسرائيل وتقسيمها علي أساس عرقي وطائفي،وسرقة الثروات النفطية والغاز ومابقي من مقدرات تحت شعار الديمقراطية والحرية؛ ومن خلال الحروب الأهلية ونشر التنظيمات الإرهابية،وهو ما حدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن بعد حروب الربيع العربي وظهور داعش وبعض الجماعات الإرهابية الأخري.
وقد أفلحت هذه المخططات إلي حد كبير لتفتيت المنطقة لدويلات متناحرة.
وبعد النموذج العراقي وإشاعة الخلافات والدمار، جاء نموذج اللادولة في لبنان هو الأكثر تجسيدا لتلك الحقيقة، وما يحدث في ليبيا والسودان وسوريا واليمن ليس ببعيد عن هذا النموذج الفوضوي!.

ورغم ضبابية المشهد تبقي أرض الكنانة بسياساتها المتوازنة رمانة الميزان ،حيث أحبطت مؤامرة الكيان الإسرائيلي ومناصريه من دول الغرب لإتمام خطة تهجير الفلسطينيين ،كما تواصل مساعي وقف إطلاق النار في غزة وعودة السلطة الفلسطينية لإدارة شؤونها وتطالب امريكا بالضغط على إسرائيل لوقف الممارسات التصعيدية والتي تنتهجها ،والتخلي عن سياسة حافة الهاوية وجر المنطقة لصراعات وحروب جديدة غير محمودة العواقب !.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة