دارت رحى الأيام وها نحن نستقبل الذكرى السادسة لوفاة المغفور له - بإذن الله - والدي ، فليلة الثلاثاء كانت موعده بلقاء الله ، قال تعالى في سورة آل عمران : " كل نفس ذائقة الموت" .
إن الموت في هذه الدنيا نهاية كل حي ، والكل إليه صائر ، وللقبر زائر ، وهو القدر الذي ليس عنه مناص ، والداء الذي ليس له شفاء ، والمصيبة التي قال عنها ربنا سبحانه وتعالى في سورة المائدة : " فأصابتكم مصيبة الموت ".
إن مصيبة الموت تولد كبيرة وتتضاءل بمرور الأيام ، لكنها تظل جرحًا غائرًا في القلب لا يندمل ، ورغم يقين الخلق به إلا أن لحضوره هيبة ، ويترك في النفوس انكسارًا وأحزانًا ، ويُخلّف مروره في الأفئدة لوعة وأشجانا .
لقد اختار سهم الموت والدي فجر الثلاثاء السادس والعشرين من يونيو 2018 م ، و هو إمام للمصلين في صلاة الفجر ، وما أدراك ما صلاة الفجر ؟ توفاه الأجل وهو في الركعة الأولى بعدما قرأ البسملة، وآيات عطرة من سورة آل عمران إلى أن وصل إلى قول الله تعالى : " فتقبلها ربها بقبول حسن " . وهنا يأمر رب العزة ملك الموت بقبض روحه في مشهد جسد أروع صور الطاعة ، والتقرب إلى الله ، وحسن الخاتمة ، فعن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله إذا أراد بعبد خيراً استعمله ، فقيل : وكيف يستعمله يارسول الله ؟ قال : يوفقه إلى عمل صالح قبل الموت .
ماذا كان بينك وبين ربك حتى يُسخر لك فضيلة الشيخ الدكتور ماهر المعيقلي إمام و خطيب المسجد الحرام ليدعو لك ؟ أهي صدقة في الخفاء ؟ أم ركعة في جوف الليل تقبلها الله منك ؟ .
لقد عاش والدي يرتل القرآن الكريم ، فمات على تلاوته ، وكان - رحمه الله - من رواد المسجد ، فمات فيه ، وعاش محبًا لله ، فمات وهو واقف بين يديه .
يارب : نُشهدك أنه كان من أهل القرآن الكريم ، فحقق فيه آية كتابك :" قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " ، نُشهدك أنه كان من المتسامحين ، فحقق فيه آية كتابك : " و جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله " ، نُشهدك أنه كان من المحسنين ، فحقق فيه آية كتابك : " للذين أحسنوا الحسنى و زيادة و لا يرهق وجوههم قتر و لا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " ، نُشهدك أنه كان من المتقين ، فحقق فيه آية كتابك :" إن المتقين في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " نُشهدك أنه كان من الصابرين ، فحقق فيه آية كتابك : " إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " ، نُشهدك أنه كان مؤمناً محباً للصلاة و الزكاة ، فحقق فيه آية كتابك : " إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات و أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون " ، نُشهدك أنه كان محباً للأعمال الصالحة ، فحقق فيه آية كتابك " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " ، نُشهدك أنه كان من الحجاج و المعتمرين ، فحقق فيه قول نبيك : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " ، نُشهدك أنه كان من المحافظين على صلاة الفجر ، فحقق فيه قول نبيك : " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " .
و ختاماً أقول : حسن الخاتمة لا تأتي للإنسان من فراغ ، بل هي مكافأة لأفعاله طوال حياته من حسن عبادات لله ، ومن حسن معاملات لخلق الله ، فهنيئاً لمن أكرمه الله بحسن الخاتمة ، وندعو الله أن يلحقنا بهم في الصالحين وأن يحسن خاتمتنا.