رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

مابين اليأس والرجاء تتباين رؤي أبناء المعمورة حول مهمة إنقاذ البيئة الإنسانية، ووضع حد للأنشطة الصناعية المتزايدة والتغيرات المناخية بتأثيراتها الضارة، والتي أسهمت الدول الكبري في إفسادها كما أفسدت الوفاق الأممي المنشود، وفقا لمتطلبات النفعية السياسية، وآفات الهيمنة الاقتصادية والثقافية.

وفي 5 يونية من كل عام تحتفي دول العالم باليوم العالمي للبيئة منذ عام 1973، وهو يوم يشرف عليه برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ويُعقد سنويا ، ويعتبر أكبر منصة عالمية للتوعية العامة بقضايا وهموم البيئة، ويحتفل به ملايين الأشخاص حول العالم وتستضيفه المملكة العربية السعودية هذا العام 2024.

وبعد ما يزيد عن 50 عاما من انطلاق احتفالية العالم بأهمية البيئة واستشعار أبناء المعمورة بالخطر الداهم المتصاعد المحدق بهم، والذي يهدد البيئة الإنسانية، يثور تساؤل مهم..هل قدمت دول العالم وخاصة الدول المسؤولة في المقام الأول عن الأزمة البيئية "كشف حساب"، أمام منظمات الأمم المتحدة المعنية بالبيئة الطبيعية، التي تشهد كل يوم تراجعا وتطورا سلبيا، بما يتضمنه من انهيار الأنظمة البيئية وموجات متصاعدة من الجفاف والسيول والتغيرات المناخية غير المتوقعة؟!.

وهل تتوقف دول العالم مرة أخرى لوضع حد لهذا التدهور البيئي المتصاعد، وتدشين اتفاقيات وتعهدات أكثر حسما وفعالية،بعد عشرات الآلاف من الندوات، والمؤتمرات والفعاليات، ومؤتمرات المناخ، والتي تشهد الكثير من النقاشات والمحادثات، لكن حصادها قليل مقارنة بتسارع خطوات وقفزات التغيرات المناخية وتأثيراتها السلبية المشهودة.

كما تتضاعف الآمال حول قدرة الإنسان المعاصر عن محاصرة التدهور البيئي ،مع استمرار الصراعات السياسية والحروب، رغم التحذيرات التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة "جوتيريش" خلال المنتدى الاقتصادى العالمى حول المستقبل المرعب لتأثيرات التغيرات المناخية، والتي تضمنت مؤشرات صادمة، مؤكدا أن العالم سيخسر المعركة، مع هذه التحديات المتداخلة واستمرار الحروب والعدوان المباشر وغير المباشر علي البيئة.


كما أشار إلى أن الطاقة المتجددة هي المسار الوحيد الموثوق به للمضي قدما إذا أراد العالم تجنب حدوث المزيد من الكوارث المناخية.!

وأتصور أن اتجاه دول العالم الفاعلة للتخلي عن مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية علاوة علي تفاقم الانقسام الجيوسياسي، وانعدام الثقة في الأجيال سيشكل مزيدا من التحديات الوجودية التي ستقوض من الجهود المبذولة لمعالجة الإشكاليات العالمية وفي مقدمتها الأزمات البيئية والمناخية.

كل المؤشرات تؤكد أن الالتزام العالمي بالحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية - يتم بالكاد تقريبا- لكنه لا يفي بتحقيق الأهداف الأممية المنشوده لمحاصرة التغير المناخي ووقف معدلات الاحترار.
يحدث هذا رغم التنبؤات الدقيقة للعلماء حول تأثيرات تغير المناخ منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي أكدت أن بعض منتجي الوقود الأحفوري كانوا مدركين تماما في السبعينيات أن منتجهم الأساسي في طريقه لدمار كوكب الارض!

ووفقا لتقرير راصدة للواقع، فإن النظم البيئية والإيكولوجية تواجه تهديدات متزايدة في جميع أنحاء العالم، مع تزايد العدوان الجائر علي المراعي والأغطية الطبيعية وقطع مساحات شاسعة من الغابات، وتزايد معدلات التصحر وجفاف الأراضي الزراعية، علاوة علي مشكلات ندرة المياه في بعض المناطق والفيضانات غير المتوقعة في مناطق أخري، وغيرها.

ووفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ، فإن ما يصل إلى 40 % من أراضي الكوكب وصلت بالفعل لمرحلة التدهور، مما يؤثر بشكل مباشر على حوالي نصف سكان العالم. كما زاد معدل مدة الجفاف بنسبة 29 % منذ عام 2000 – وبدون اتخاذ إجراءات عاجلة، قد تؤثر حالات الجفاف على أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم بحلول عام 2050.

وعلاوة علي حالة التدهور البيئي ونتيجة لأنشطة الإنسان المتزايدة فهناك توقعات علمية بتزايد التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية، وتنامي ظواهر ذوبان الجليد في المناطق القطبية شمالا وجنوبا وزيادة معدل الفيضانات وموجات التسونامي، والانفجارات الشمسية، وهو ما شاهدناه الشهر الماضي فقد وقعت خمسة انفجارات شمسية هى الأقوى منذ 2003، أي منذ 21 عاما وأثارت شفقا مذهلاً، وصل بعض مقذوفاتها إلى الأرض واستمر وصولها لعدة أيام، وهو ما عرف بظاهرة "انبعاث الكتل التاجية".


ووفقا للمراصد العلمية ورؤي الخبراء ومن بينهم د.عباس شراقي أستاذ الچيولوچيا والموارد المائية فإن الدورة الحالية للشمس (2019 – 2030 ) وصفت بأنها نشطة، وغالبا ذروتها تكون فى منتصف الدورة (2024 - 2025)، حيث العديد من الانفجارات خلال السنوات الماضية، وقد نرى المزيد هذا العام.

وعن أهم التأثيرات المحتملة للتوهج الشمسى قال من المتوقع هو ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض، والتشويش على الأجهزة الالكترونية، وقد تسقط بعض الأقمار الصناعية، وتعطل الاتصالات اللاسلكية على الأرض، وأجهزة الملاحة فى الطائرات والسفن، وأجهزة محطات توليد الكهرباء، وأجهزة الاتصالات والانترنت، وبعض الأجهزة الطبية. أما بالنسبة للإنسان فقد يسبب هذا التوهج عددا من الآثار الجانبية السلبية الأخرى المتعلقة بالمزاج والقلق والنشاط الهرموني وغيره.

وهناك تخوفات من عودة ظاهرة الغبار البركاني أو الرماد بركاني، وهي الناتجةعن التصريف الغازي والخلخلة الضغطية المصاحبة للنشاط البركاني، والانكماش المفاجئ للماجما عند التقائها بالماء، ويؤدي الانفجار البركاني الشديد المحتوي على البخار إلى تفتت الصخر و"الماجما" المتصلبة في عنق البركان إلى حبيبات بين حجم الطفلة البركانية والرمل، وقد تؤدى اللوافظ البركانية إلى صعوبة التنفس، وتعطل الآلات، وقد تزيد تلك المؤثرات في الشدة بحيث يحدث ما يسمى " الشتاء العالمي" وهو حجب غبار واسع وكثيف لأشعة الشمس لزمن طويل، فتبرد الأرض.
وقد يتسبب ترسب كميات كبيرة منه إلى اضطراب في البيئة الحيوية، كما قد يتسبب في دمار أسقف البيوت، التي يتجمع عليها، وقد يتصلب الرماد البركاني مكونا ما يسمى " طفلة بركانية"، ويستخدم كطوب لبناء المباني. وقد يؤدي تعاقب نشاط البركان عبر زمن طويل وتراكمه إلى تشكيل الجبال البراكانية.
ولعل ما عاصرناه قبل عدة سنوات حيث تسببت ظاهرة تصاعد الرماد البركاني من تعطل حركة الطيران لعدة أيام في أوروبا ومن ثم تأثيرها علي حركة الطيران العالمية.

ووفقا لهذه المؤشرات السلبية، وضبابية المستقبل وظلامية الأفق المنظور،ونمط إزدواجية تعامل أبناء المعمورة مع البيئة الإنسانية، يتطلع كثيرون لحماية كوكب الأرض وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لصناعة مستقبل مستدام.

ويتوق هؤلاء لمواجهة التحديات المناخية وإيجاد حلول لها، والتركيز على أهمية حماية النظم الإيكولوجية، والتنوع البيولوجي، ودعم جهود المواطنين في المشاركة الفعالة في هذا الشأن وفي مقدمتهم الأجيال الجديدة، وهذا ما يجب أن تضطلع به وزارات البيئة في دولنا العربية والمنظمات الإقليمية المعنية، ومن بينها الاتحاد العربي للشباب والبيئة لتحقيق الهدف رقم 15 من أهداف التنمية المستدامة، وكجزء من التزامه بريادته في مجال التوعية البيئية، وتعزيز دور الشباب في العمل من أجل مستقبل أكثر استدامة.
وأتصور أن هناك ضرورة عصرية لتعزيز اتجاهات توظيف التقنيات فائقة التطور والتكنولوجيا في حماية البيئة، من خلال التعمق في الوسائل المبتكرة للحفاظ على التنوع البيولوجي، وتحفيز الابتكار البيئي، وتوظيف الابداع الشبابي، واستكشاف الذكاء الاصطناعي في مكافحة التصحر والتكيف مع الجفاف، وغير ذلك من روافد الأزمة البيئية.

ويعد استعادة الأراضي ركيزة أساسية لعقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم البيئية (2021-2030)، وهو مطلب أممي لحماية وإحياء النظم البيئية في جميع أنحاء العالم، وهو أمر حاسم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المرجوه.

ولهذا السبب يركز اليوم العالمي للبيئة  2024 م على استعادة الأراضي، ووقف التصحر وبناء مقاومة الجفاف تحت شعار "أرضنا مستقبلنا.. معا نستعيد كوكبنا".

وخلاصة الأمر أنه ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولا يمكننا إعادة الزمن إلى الوراء، لكن يمكننا زراعة شجرة أمام كل بيت وإعادة زراعة الغابات، وإصلاح النظم الإيكولوجية وغرس الاتجاهات الإيجابية وقيم المواطنة نحو البيئة، وتصحيح السلوكيات الخاطئة، التي أسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تفاقم المعضلة البيئية وإحداث هذا التدهور غير المسبوق، وأيضا إيجاد حد مقبول للتنمية الصناعية ذات البصمة الكربونية المحددة، والتي تعتمد علي الطاقة النظيفة والمتجددة ونشر ثقافة المدن الذكية والاقتصاد الاخضر، ووقف الممارسات الزراعية غير المستدامة.
وتبقي الآمال مرهونة بالإرادات الفاعلة، رغم ما يبدو في الأفق من تحديات وعقبات وأشواك !

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة