ضج المسرحيون، في أقاليم مصر، بالشكوى، ولم يسأل فيهم أحد، كلما ذهبوا إلى مسؤول في قصور الثقافة، مالي، أو إداري، أو فني، أو مالي وإداري وفني مع بعض، تلاتة في واحد يعني زي النسكافيه المضروب، نكل بهم، وانتقم منهم، وأذاقهم العذاب ألوانا.
لم يعد أمام المسرحيين حل، الذي أمامهم حبل، حرف واحد يفرق كتير، الحبل يلتف حول أعناقهم، ويكاد يقضي عليهم ويدمر مسرحهم.
والحكاية، سعادتك، أن هناك آلافا من الشباب يشاركون في العروض المسرحية التي تقدمها هيئة قصور الثقافة، وهي عروض تقدم لأهالينا في الأقاليم بالمجان، خدمة ثقافية من الهيئة للمجتمع والناس، تبسطهم، وتسليهم، وتطور وعيهم، وتبعدهم عن الأفكار الهدامة، وأولاد الحرام.
هؤلاء المسرحيون معظمهم من الطلبة والموظفين، عملهم في المسرح موسمي، يتقاضون عنه مكافآت بسيطة لا تفي حتى بحق الدخان، "فنانين" بقى ولازم يدخنوا حتى يبدعوا على أحسن ما يكون.. بغض النظر عن أن التدخين يدمر الصحة ويعجل بالوفاة... هناك مدارس قالت عكس ذلك تماما.
المهم، وحتى لا ندخل في جدال طبي حول فوائد التدخين وضرورته، فقد فوجئ المسرحيون في بعض الأقاليم، وليس كلها، وهذا أمر عجيب وغريب ومريب طبعا، فوجئوا بأن عليهم إصدار فاتورة إليكترونية، حتى يتمكنوا من صرف هذه المستحقات البسيطة، قالوا: لسنا بقالين أو حلاقين، ولا حتى بنفهم في الكهربا، لكي نصدر هذه الفاتورة، التي ربما يتكلف إصدارها ضعف الكام ملطوش التي نتقاضاها (كام جنيه يعني عشان لو في قارئ أجنبي)
وفضلاً عن الفاتورة الإلكترونية، فإن هناك أيضا مشكلة تتعلق بضرورة وجود حساب بنكي، مع إن لدى معظمهم فيزا البريد المصري، وأظنها تكفي، وكلها حكومة في قلب بعض. أضف إلى ذلك حكاية مورد خامات الديكور، شرط وجود مورد قد ينطبق على شركة أو مصنع، أو أي مؤسسة أخري تريد شراء ماكينات خياطة أو نسيج، أو أجهزة كمبيوتر، أو أثاث مكتبي، أو حتى منزلي، لكن كله إلا المسرح ، ماذا مثلاً لو أراد أحد المخرجين أن يكون ديكوره واقعياً أكثر من الواقع نفسه ، وطلب لبشة قصب، أو قلة قناوي، أو أي شيء من هذا القبيل، أو ماذا لو أراده ديكورا سرياليا عبثيا تعبيريا رمزيا - مع إن كل ذلك لا يركب على بعضه- وطلب دستة مناديل بقوية ، تتعايق بها من تقوم بدور الأخت جولييت، لتكون أكثر جاذبية بالنسبة لحبيبها كابتن روميو ؟هل سيطلب مثل هذه الإكسسوارات من المورد؟ ثم إن مهندس الديكور أدرى بخاماته وأماكن بيعها، وكيفية تصنيعها، ويعرف كيف يدبر أموره بالمبلغ البسيط المخصص له، ويأتي بفواتير توضح ما دفعه لشراء خاماته، ولا يتوقف الأمر عند الفواتير، فهناك لجنة متخصصة، من أهل المسرح، تقيم الديكور، وتطلع على المقايسة الخاصة به، وتقرر هل هو مطابق أم غير ذلك، يعني كل شيء تحت السيطرة.
الديكور مسألة فنية بحته لا يفهم فيها سوى أصحاب الشأن. كما أن المورد يحصل على حوالي 40 % من المبلغ المخصص للديكور نظير قيامه بالتوريد، وبالتالي فإن المسرح أولى بهذه النسبة من المورد، اللهم إلا إذا كان المورد من الغارمين، أو أبناء السبيل، ونريد مساعدته.
المسؤولون الماليون والإداريون والفنيون، وانضم إليهم أيضا موظفو العلاقات العامة والخاصة، وأعضاء نقابة العاملين بالمترو، ولاعبو التايكوندو بمراكز الشباب والرياضة، كلهم رفضوا بشدة أي نقاش أو تفاهم، وقالوا للمسرحيين: عندكم وزير المالية اشتكونا له.
وهأنذا أرفع إلى سعادتك شكاوى المسرحيين، وهي أصعب وأمر وأفظع من شكاوى الفلاح الفصيح بتاع الفراعنة، وكلي ثقة أن المشكلة انتهت خلاص بمجرد أن تقرأ هذا المقال البائس واليائس، مثل صاحبه، هذا إذا لم يحجبه عنك الزملاء في مكتبك الإعلامي ليؤكدوا بؤسي وشقائي ويأسي وقلة حيلتي، وإن كنت أظن أنهم أولاد حلال يحبون المسرح والمسرحيين، وفوق البيعة يحبون كاتب المقال.