طيب القول
احتفالات مصر هذا العام بأعياد تحرير سيناء مختلفة تماماً و"حاجة تانية خالص"، لما فيها من تنفيذ خطوات وطنيّة عمليّة تُجَسِّد الارتباط الفعلى والعميق فيما بين أجزاء الوطن كلّه، متجاوزاً الحدود والمسافات، مُتخطِّيًا التحدّيات والصعوبات، فمصرُ الحديثة التى تصنع المُعجِزات بأيدى أبنائها المُخْلِصين الذين يواصلون إنجازات السابقين- فى كلِّ بُقعة من أرضها، وخاصة على أرض سيناء الحبيبة- ممَّن ضحّوا بدمائهم الطاهرة للحفاظ على سلامة أرض الفيروز حُرَّة من دَنَسِ المُحتلّ، كجزءٍ لا يتجزَّأ من أرض الوطن.
فلم تكتف مصر بتطهير سيناء من كلّ مظاهر الإرهاب والتطرّف التى انتشرت فى فترة من الفترات حالِكَة الظلام، بل سارَعت الخُطَى لإقامة المشاريع العملاقة فى مختلف المجالات لـ"صناعة الحياة" فى جبال وسهول ووديان سيناء كافّة، وأحدث تلك المشاريع بل أعظمها وأكثرها تأثيرا، ذلك الربط البرِّى فيما بين جانبى قناة السويس، عَبْرَ امتداد خطّ السكك الحديدية، فكان أول قطار ينطلق من محافظة أسوان فى أقصى الجنوب، ليصل إلى محطّة بئر العبد بمحافظة شمال سيناء، رابطا وادى النيل بصحراء سيناء، لتكتمل المنظومة وتُكْمِل عمل الأنفاق التى تمُرُّ أسفل القناة، لتمُدَّ سيناء بـ"سُبُل الحياة الكاملة"، ولتقطع إلى غير رجعة "الانفصال والقطيعة" الجغرافية التى كانت أحد مظاهر العلاقة بين جانبى شطّ القناة.
وهكذا تعود سيناء الحبيبة إلى "حُضْن" الوطن، بعد أن دفع أبناؤها الشرفاء ثَمَن ذلك غاليًا من أرواحهم ودمائهم، وها هُمْ يستكملون مسيرة التنمية بالبناء والتعمير واستصلاح وزراعة الصحراء، ويسير بموازاتها مسيرة بناء الإنسان وتلبية احتياجاته الصحّية والتعليمية والاجتماعية، فـ"حياة كريمة" ليست قاصرة على فئة أو مكان أو تجمُّع محدَّد، إنما تستهدف كل المصريين على أرض المحروسة، وبصفة خاصة تستهدف المُقيمين فى المناطق الأولى بالرعاية، وعلى رأسها المناطق الحدودية، وعلى وجه أكثر دِقَّة وتحديدا، سيناء الحبيبة التى عانت طويلا من فترات الحرمان والإبعاد عن "حُضْن" الوطن، سواء لأسباب خارجية أو داخلية.
لكن بفضلِ الله تعالى، ثمّ بـ"وَعْى" وإدراك قيادة الدولة المصرية الحديثة، تمَّ تدارُك الأمر، والسعى الحثيث لتعويض ما فات، فى أقْصَرِ وقتٍ ممكن، وإن شاء الله يُعِيْنُ المولى المُخلِصين فى أداء مُهِمَّتِهِم، ويحقّقوا ما يصبو إليه المصريون جميعا.
ولا يقف قطار الإنجازات- الذى يصل كل أجزاء الوطن الحبيب- عند الجانب الشرقى، بل نشاهده يواصل مسيرته فى الغرب أيضا، حيث مشروع إنشاء "قناة الخَطَّارة" التى تربط مُنْخَفض القطَّارة بالبحر الأبيض المتوسِّط.
فضلا عن الخطوط التى يتم تنفيذها حاليا لربط البحر الأحمر- عند منطقة العين السخنة- بالبحر المتوسط فى مطروح والعلمين.
وهكذا تتكامل الخطوط البَرّيّة والبحريّة مع الحديديّة، لتعميق أواصِر الرباط المُقَدَّس فيما بين أجزاء الوطن مُترامية الأطراف، لـ"تحيا مصر" فيما بين جنبات حدودها، مترابطة متماسكة، إلى ما شاء الله آمنة مطمئنة، مصداقا لقوله تعالى: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" (يوسف: 99).