من الألف إلى الياء
في سجل ذكريات الأوطان أحداث ومحطات كاشفة وفارقة ومضيئة لن ينساها التاريخ مهما طال الأمد وتبدلت الأحوال.
وستظل ذكري تحرير سيناء.. عيدا للإرادة المصرية، وتجديدا لأسمي معاني العزة والكرامة والصمود والنضال.
وفي كل عام ومع ذكري عيد تحرير سيناء الموافق 25 أبريل من كل عام، تقفز للأذهان ذكريات بسالة شعب مصر ، جنودا في الميدان ومواطنين في ربوعها العامرة بالعطاء والتضحية والفداء، والإصرار علي تحرير واسترداد كل شبر من أرض مصر الغالية.
وبعد أن استعادت عزتها وشرفها وحققت نصرا تاريخيا علي الكيان الإسرائيلي المحتل استردت مصر أرض سيناء كاملا بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، وفقا لمعاهدة كامب ديفيد، في مشهد شهد أفراحا وزغاريد في القاهرة وأتراحا وحزنا وألما في تل أبيب، ولعل حادثة تدمير مستعمرة "ياميت" في مدينة رفح وتركها أطلال دليلا علي هذا الانهيار الوجداني والنفوس المدمرة لدي قوات الاحتلال الغاشم.. وبداية لعصر جديد بمحددات ومواصفات مغايرة.
وسيظل عيد تحرير سيناء رمزا لتحقيق النصر والسلام، فقد استردت فيه مصر أرض سيناء بعد صراع طويل بينها وبين إسرائيل حيث شهدت معارك شرسة خلال حرب 1973، كانت نتائجها بمثابة صدمة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وانتصارا كاسحا للسياسة العسكرية المصرية حيث بذل جيش مصر وشعبها كل غال ونفيس، وما أتيح من وسائل النضال والكفاح المسلح لتحرير أرضها منذ عام 1967 ثم حرب اكتوبر المجيدة عام 1973 ثم مباحثات كامب ديفيد عام 1978 التى انتهت بتوقيع معاهدة السلام عام 1979، والتى نصت على انسحاب إسرائيل بشكل كامل من شبة جزيرة سيناء، وعودة السيادة المصرية على كامل ترابها المصري، وبشكل تدريجى .
وكان 25 إبريل هو تاريخ رحيل آخر جندى إسرائيلى من مصر وتم رفع العلم على مدينتي رفح وشرم الشيخ فى ذلك اليوم.
وبعد مفاوضات مضنية من منطلق القوة، والأنفة تم تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلى كاملا في عام 1982م، وكللت منظومة الإرادة بتمام التحرير عندما رفع الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك علم مصر على طابا آخر بقعة تم تحريرها من الأرض المصرية في عام 1989.
وكان لاسترداد أرض سيناء نتائج مباشرة على الصعيدين العالمي والمحلي حيث انقلبت المعايير العسكرية في العالم كله واسترد المقاتل المصري والعربي الثقه بنفسه وقيادته.
كما أن لسيناء مكانة وحيثية خاصة في القلوب فلها مكانة متميزة جغرافيا حيث أنها محور الإتصال بين أسيا وأفريقيا ويحتضن كل شبر من أرضها المباركة كنوزا طبيعية لا حصر لها، علاوة علي كنوزها الأكثر قيمة من أبنائها الصامدين.
وفي كل عام تتجدد الدروس والرسائل والإشارات والخلاصات الداعمة لمنطلقات أرض الكنانة وسياساتها الرشيدة التي لا تتبدل، ولا تتعدل حين يمس أمنها القومي واستقلالية كلمتها وقراراتها.
لقد جسدت الذكرى بطولات فريدة، وملحمة وطنية رائعة، وأمست مصدر فخر للأمة العربية والإسلامية وعلامة فارقة فى التاريخ المصرى تارة بالحرب وبالتفاوض تارة أخري، لكنها تظل المعين الملهم لكل أهل الكنانة بمختلف فئاتهم وعقائدهم.
لقد عكست ذكرى تحرير سيناء مجموعة من المعانى والدروس المستفادة للأجيال القادمة رسخت الانتماء والوحدة الوطنية في أدق وأجمل صورها ومعانيها، وستظل هذه الملحمة علامة مضيئة تنهل منها الأجيال معانى الانتماء وصيانة أرض الوطن.
وتمثلت أهم الدروس فى ترسيخ استراتيجية "السلام" كخيار مصر الدائم، حيث برهنت معركة استرداد سيناء ومن بعدها استعادة طابا، على تكامل قدرات القوة المصرية العسكرية، والدبلوماسية والقانونية، فلا حق دون أن تصونه قوة ولا قوة دون أن يوجهها عقل راجح وأن تحرير سيناء انطلاقة ثانية وتأمين بالتنمية والتعمير.
ومن بين أهم الدروس المستفادة استلهام القدوة من رجال تحرير سيناء خلال مرحلة النضال وصناعة المجد وعزة الوطن، خلال سنوات الحروب والاستنزاف، ثم نصر أكتوبر وتحطيم أسطورة الاحتلال كمحطة فارقة وما تبعها من إحداث وإعادة الملاحة لقناة السويس، وبدء مفاوضات السلام وحتى 1982، حيث شارك فى الحروب جنود وقيادات عسكرية بواسل وفى التفاوض رجال قانون وسياسيون واقتصاديون ودبلوماسيون، كان هؤلاء وسيظلون قدوة للشباب المصرى يتعلم منهم التضحية، وحرفية التفاوض من موقع القوة والتصميم على تحرير الارض والحفاظ علي أمنها واستقرارها بكل الوسائل.
وبروح وإرادة التحرير خاضت كل التحديات التي استهدفت النيل من أرض سيناء الحبيبة وزرع براثن الإرهاب الأسود في أراضيها، ومحاولات إفساد مقدراتها،والتأثير علي ديمجرافيتها ومواردها وبيئتها الطبيعية الزاخرة بكل خير ونماء..
وجاء الرد عمليا من أبناء سيناء الذين رفضوا كل صور الإرهاب الأسود والدعوات المغرضة للهجرة للمحافظات المجاورة حتي انكشفت الغمة واستطاعت قواتنا الباسلة من تطهير البلاد من دنسه وإجتثاث جذوره وذهب بلا عودة.
وتتابع الأيام وتضرب القاهرة أمثلة أخري للإرادة والصمود وعزيمة الرجال، حيث رفضت مصر كل الضغوط الأممية لتصفية القضية الفلسطينية وتهجير أهل غزة قسريا إلي سيناء، وما تزال مواقفها مشهودة في دعم ومساندة حق الفلسطينيين في الحرية ووطن آمن وحياة كريمة.
وما بين الأمس واليوم، فقد تغيرت ملامح الحياة علي أرض الفيروز ، حيث ارتدت ثياب التنمية المستدامة الأنيق في مختلف بقاعها، وتحتفي كل عام بذكري التحرير ، وإفتتاح مشروعات تنموية عملاقة تحمل العديد من الرسائل والإشارات الإيجابية لمن يهمه الأمر.
وأتصور الإحتفال بذكرى تحرير سيناء ليس مجرد اجترار الذكريات العظيمة لرجال صنعوا تاريخا مجيدا، وإنما لبث روح الهمة والإيمان فى النفوس، والأهم من ذلك ترسيخ هذه المعانى كلها فى عقول وقلوب النشء والأجيال الجديدة حتى يعي هؤلاء على حقيقة الانتصار والعبور الوجداني، وتجاوز محطات التراجع والانتكاسة نحو آفاق المستقبل المشرق.
فإذا ما شبوا وجاء دورهم فى حمل الراية أقدموا وهم واعون مدركون تماماً لقيمة ما قدمه أسلافهم من قبل،وما نقشوه من عظيم الأثر والأعمال.
إن معركة التنمية المستدامة علي أرض سيناء، درع الوطن تتطلب تعلم كيفية قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه، والعمل الجاد لفتح آفاق الاستثمار وتوفير فرص العمل لعشرات الآلاف من أبناء المحروسة.. وهذا هو التحدي الدائم والشعور المسوؤل نحو غد مشرق لأرض الشهادة والنصر.. والقادم أفضل بإذن الله..
وفي عيد التحرير تحية حب وتقدير لكل أبناء سيناء ،ولكل المخلصين من أبناء الوطن.