من الألف إلى الياء
من المتسبب في أزمات البيئة الإنسانية المتصاعدة والتي تهدد مستقبل الأمن الغذائي وفناء مقدرات وإهدار ثروات الأجيال القادمة.. وما دور الأفراد في كبح جماح هذه التداعيات المؤلمة.. وما مدي إسهام سلوكيات الناس في وقف التدهور البيئي وحماية كافة مظاهر الحياة الطبيعية بتوازناتها الفطرية المحكمة..
إنها تساؤلات حائرة تقفز للأذهان ولأفق التفكير والتدبر من آن لآخر بحثا عن إجابات شافية!.
ومن الحقائق التي اتفق عليها العلماء والباحثين أن البيئة الإنسانية في عصرنا الحاضر تعاني من الحصاد المؤلم لتأثيرات العقل الجمعي النفعي الأممي وممارسات العنفوان الرأسمالي، وما سببته موجات التصنيع الكثيفة والتنافس اللامحدود بين دول العالم الأول منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي وحتي كتابة هذه السطور.
ومنذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وبدأت مرحلة مغايرة من الصراع الوجودي الحضاري لحجز مقاعد متقدمة في منظومة الدول الأكثر إنتاجا وتصنيعا، بدأت أخطر مرحلة لاستخدام الوقود الأحفوري والفحم الحجري وخطط السيطرة المحكمة علي مراكز الانتاج، والمواد الخام بمختلف دول العالم الثالث.
ولم ينتبه واضعو السياسات ومخططو الاستراتيجيات ومن بأيديهم القرارات الفاعلة، إلا بعد فوات الأوان من مغبة هذه المنافسات الشرسة التي أضرت ضررا بالغا بالبيئة الإنسانية نتيجة ما سببته هذه الصناعات من انبعاثات كربونية وغازات سامة، ومخلفات أسهمت بصورة مباشرة في هذه المعضلة البيئية بمختلف صورها كاستنزاف الموارد، وزيادة معدلات التلوث بكافة صورها وقطع الغابات وتدمير الغطاء النباتي، إضافة إلى التغيرات المناخية المتزايدة بآثارها الضارة وتداعياتها المؤلمة علي الإنسان والنبات والحيوان.
وقد انتبهت معظم الدول في السنوات لقضية البيئة على المستوي المحلي والأممي، وبدأت معظم الدول في إجراء دراسات مستفيضة وقياسات للأثر البيئي وللبصمة الكربونية للمشروعات التنموية بكافة صورها.
كما عرف ما يسمي بالبصمة الكربونية للأفراد، وظهرت دراسات علمية وعملية حول قضايا التربية والمواطنة البيئية بما تحمله من محددات مؤثرة ومهمة، وأيضا ظهرت مفاهيم العدالة المناخية، والتنموية واستراتيجيات العمل الجاد نحو تحقيق الاستدامة البيئية الشاملة، وتوظيف الطاقة النظيفة المتجددة ودعم مشروعات الاقتصاد الأخضر.
ومابين تناقضات السياسيات الدولية ودعوات تعزيز مساقات وروافد الوعي البيئي لدي أبناء المعمورة، يثور تساؤل مهم حول مدي مسؤولية ودور الأفراد في هذا المأزق البيئي الراهن .. وما مدي إمكانية توحيد الجهود بين الحكومات وصانعي السياسة، وأفراد المجتمع بكافة مؤسساته الفاعلة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتطلعات الصداقة البيئية بكل ما تحمله من التزامات وتعهدات، أخلاقية وقانونية تضمن إحداث تغيير في نمط السلوكيات وغرس اتجاهات إيجابية وإكساب الأفراد مهارات حماية البيئة.
والحقيقة أن الجميع في قارب واحد، فالتخطيط ورسم سياسات الحماية البيئية، تتطلب وعيا وتفهما وتعاونا يبدأ من الفرد والأسرة فالتجمعات الصغيرة، بمشاركة فاعلة من مختلف منظمات الشباب وهيئات المجتمع المدني.
وأتصور أن ثقافة الترشيد أصبحت ضرورة عصرية واجبة لضبط مختلف أنماط التصرفات والحفاظ على البيئة فالسلوك الفردى كإطفاء الأنوار غير الضرورية، وترشيد استخدام الكهرباء، واستخدام أجهزة صديقة للبيئة، وإغلاق الصنبور وفصل وصلات الشواحن واستخدام الدراجات، يراه البعض سلوكا بسيطا ولكنه يؤثر فى المجمل على البيئة.
فإذا فعل كل فرد تلك السلوكيات الإيجابية، فالمحصلة والمردود سيعود حتما على البيئة، التى هى جزء لا يتجزأ من حياتنا وصحتنا، وحاضرنا ومستقبلنا.
وفي هذا السياق ما يمكن أن يقدمه الإنسان في سبيل تحقيق هذا الهدف وتلك الغاية لا حدود من بينها وفقا لرؤي المتخصصين في الشأن البيئي:
- التعليم المستمر وزيادة المعرفة فيما يتعلق بأهمية الحفاظ على البيئة وقيمة الموارد الطبيعية، بالإضافة لمساعدة الآخرين في ذلك.
-دعم ثقافة زراعة الأشجار علي أسطح العمارات والبنايات والأفنية وحدائق المنازل، لأنَها تُنتِج الغذاء والأكسجين، كما أنَّها تُساعد على توفير الطاقة وتنقية الهواء بالإضافة إلى دورها في مُكافحة التغيُر المناخي والعمل على تنظيمه.
- دعم العمل التطوعي البيئيّ: فهو من أكثر الأعمال الفعّالة التي تساهم في الحفاظ على النظام البيئي سواء كان ذلك من قبل مجموعة من الأشخاص المتطوعين والمتبرعين بجهدهم ووقتهم، أو عن طريق المُنظمات غير الربحيّة.
-تشجيع الانضمام لإحدى المُنظمات البيئيّة القانونيّة، وجماعات صداقة البيئة والتي تستهدف المحافظة على البيئة الطبيعية، وتقليل التلوث البيئي، زيادة الوعي، وتوضيح خطورة السلوكيّات البشريّة الخاطئة على البيئة.
-توظيف المنصات الرقمية ووسائل الإعلام، والصحف، والمدونات، ومواقع التواصل الاجتماعيّ، وإعداد محتوى رقمي لمقاطع فيديو تبين مدى خطورة التلوث البيئي.
-ومن السلوكيات المهمة ضبط أجهزة التكييف وفصل وصلات السخان وضبط درجات التبريد في الثلاجات، واستخدام الأكياس الورقية، والاستغتاء ولو تدريجيا عن الأكياس البلاستيكية واستخدام الأكواب المصنوعة من الزجاج، أو السيراميك بدلاً من تلك المصنوعة من الورق ،وأيضا فصل الأجهزة غير المستخدمة من القابس الكهربائي حتى عند إيقاف تشغيلها؛ نظراً لما تستهلكه الأجهزة من طاقة.
-استخدام مواد تنظيف قابلة للتحلل أو المتوافقة حيويا لكونها أقل ضرراً بالبيئة، حيث يجب تجنب استعمال "الكلور" و"البوراكس"، والمواد المضادة للجراثيم، لأنها تتسبب بالعديد من المخاطر البيئيّة، واستبدالها بمواد تنظيف أقل ضرراً وتأثيراً على البيئة.
-استخدام وسائل النقل المناسبة التي تستهلك الوقود الأحفوري بشكل مقتصد وأقل من وسائل النقل الأُخرى، حيث يمكن المشي أو الانتقال عبر دراجة هوائية في حال كانت المسافة قصيرة كبديل عن السيارة، كما يمكن استخدام وسائل النقل الجماعي والقطارات للمسافات الطويلة.
-التوعية بكافة أنواع الملوثات وتأثيراتها السلبية علي الصحة العامة، وتعزيز ثقافة إعادة الاستخدام والحفاظ على الموارد.
- دعم نظم إدارة النفايات أو معالجتها أو دفنها أو حرقها استناداً لمجموعة من الإجراءت والمعايير الوقائيّة.
- التوعية بأهمية إعادة التدوير، حيث تعمل بعض النفايات كبديل للمواد الخام النادرة، مثل البترول، والغاز الطبيعي، والفحم، والخامات المعدنية، والأشجار، حيث تُجمع وتُعالَج لتصنيع مواد جديدة، أو لإعادة استخدامها، ومن المواد التي يُمكن إعادة تدويرها الورق، والمعادن، والزجاج، والبلاستيك.
-تعزيز ثقافة المُحافظة على الموارد الطبيعيّة، وضمان الموارد الكافية من المصادر المائية لجميع أفراد المجتمع، ونظافة المُستنقعات، والمسطحات المائية التي تُغذيها، فهذه المسألة لا تتعلق بحماية البيئة فقط إنّما هي مسألةٌ ضرورية لتحسين جودة الحياه ونوعيتها.
-تعزيز ثقافة الهوية البصرية وإضفاء الطابع الجماليّ في المجتمع، إذ يسهم العيش في وسط الأماكن المليئة بالجمال الطبيعيّ على تحسين نوعية الحياة، وإعطاء الأفراد شعور بالأمل والتفاؤل.
- جذب مشاريع جديدة صديقة للبيئة والحفاظ على الاقتصاد، حيث تعدُّ المجتمعات التي تعتني بالبيئة، وتحافظ عليها منطقة جذّابة للعيش والسكن.
وهذا غيض من فيض ما يمكن تصوره في هذا الاتجاه.. ومابين الإجراءات الحمائية والقوانين التي سنتها الدول لضبط السلوكيات، ولردع الأفراد والجماعات التي قد تضر بمصلحتهم، يبقي الوعي الذاتي والضمير الإنساني هو الفيصل في تحقيق المعادلة الصعبة مابين متطلبات التنمية وممارسة كافة الأنشطة الحياتية والحفاظ على البيئة ،تحت شعار كوكب واحد.. ومصير مشترك.