رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مشهد عبثى بكل ما تحملة الكلمة من معنى ، أما المشهد فهو "مسرحية" الهجوم الايرانى على إسرائيل بمسيرات وصواريخ بالستية، اما العبثى، فهو كل ما حدث بين اعلان الهجوم ، حتى اعلان انتهاءه.
وقبل الإعلان بساعات كان إسرائيل والولايات المتحدة والأردن وعدد من الدول العربية على علم تام ليس فقط بموعد الهجوم ولكن أيضا بتفاصيل الأسلحة المستخدمة فيه، وهذا برهان على أن طهران لا تسعي لتوسعة الهجوم، ولكن فقط تريد من الأطراف الخارجية وعلى رأسها إسرائيل وامريكا ان تقف معها في هذا المشهد بقصد ترضية الرأي العام الايرانى بعد الهجوم على قنصليتها في سوريا.
دليل أخر على عبثية المشهد، أن بعثة ايران في الأمم المتحدة أعلنت بعد ما يقرب من 3 ساعات على بدء الهجوم المزعوم في بيان لها ان الرد الايرانى العسكرى قد انتهى الان، محذرا إسرائيل ان لو كررت الاعتداء على المصالح الإيرانية فان الرد سيكون اشد قسوة !?.. واختيار بعثة ايران في الأمم للإعلان عن انتهاء الهجوم كان للتوثيق امام العالم انها لا تنوى توسيع الهجمات.
الغريب أن كل المسيرات والصواريخ التي اطلقت لم تصل معظمها الى إسرائيل واغلبها أسقطتها طائرات أمريكية وبريطانية وقوات بحرية فرنسية فوق الاراضى العراقية والاردنية والسورية !! ولن تصل مهما تكررت الاعتداءات الإسرائيلية. عنصر اخر يجب ان نضعه في الحسبان وقراءته جيدا وهو مشاركة القوات البريطانية والأمريكية وفرنسية في التصدي للهجوم الذى كان يهدف في الأساس ليس فقط الدفاع عنّ إسرائيل ولكن لعدم إعطاءها ذريعة قوية لشن هجوم مباشر وعنيف على ايران قد يتسبب في تغير خريطة الصراع في الشرق الأوسط، وهذا ما كانت تسعى له تل ابيب وقد حصلت علية بالفعل.
فمنذ عملية يوم السابع من أكتوبر غير المدروسة التي شنتها حركة حماس على المستوطنات الإسرائيلية قرب غلاف القطاع ، وهناك إصرار إسرائيل على إيجاد صيغة جديدة للتعامل مع ما يسمي بمصطلح وحدة الساحات التي تتبناها ايران سعيا لارهاق الجيش الإسرائيلي وتشتيت قدراته الدفاعية والهجومية على اكثر من جبهة دون الاضطرار الى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ربما تكون محسومة سلفاً لصالح الطرف الأقوى تكنولوجيا وعسكريا، خوفا من ان تكلفها تلك المغامرة انهيار النظام الحاكم اولا وفيما بعد الدولة الإيرانية نفسها.
فى العادة أى نظام يمكنه أن يتعرض لهزيمة عسكرية واحدة فقط، أمام الثانية فهى بمثابة شهادة وفاة لهذا النظام ..وهذه هي المعضلة الحقيقية التي يعيشها كل لحظة حكام ايران سواء الملالى في قم او السياسين والعسكريين فى طهران.. وبعد اسقاط نظام الشاه ووصول الامام الخوميني والملالى الى حكم أيران اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي انتهت بهزيمة مذلة للايرانيين بعد ما يقرب من 8 سنوات من الصراع الدامى ، وكانت هذه هي الهزيمة الأولى للثورة الجديدة في ايران، بعدها كانت الخيارات محدودة اما النظام الايرانى ، فهو لم يعد يمتلك رفاهية التعرض لاى انكسار عسكرى جديد لأن هذا معناه انهيار النظام نفسه وتعريته امام الشعب لذلك تبنت طهران استراتيجية مغايرة تماما لتمرير اجندتها في المنطقة ، تعتمد على الحرب بالوكالة وعدم الانخراط المباشر في اى صراع عسكرى قد يكلفها ما تبقي لها من كبرياء عسكرى وربما دينى، وبدلا من ذلك بدأت الاستثمار في تشكيل جماعة مسلحة ودعمهم ليصبحوا وكلاء لها في المنطقة ، وظهر حزب الله في لبنان ، الحوثييون في اليمن، حزب الله فرع العراق، وبعض الميليشيات الشيعية الأخرى.
وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، استخدمت إيران ووكلاؤها الحرب في غزة؛ لتحقيق غاياتهم الدعائية الخاصة، مع الابتعاد عن أي تصعيد كبير يمكن أن يدفعهم بالكامل إلى الصراع، وسعت الى ذلك قدر المستطاع بشكل مباشر من خلال جر أكبر عدد من الدول العربية إلى الخطوط الأمامية للصراع، بدءاً من لبنان وسوريا والتوسع إلى الأردن والعراق واليمن وخارجها.
هجوم أكتوبر كان الفرصة لا تعوض بالنسبة لإسرائيل وخلق مناخا مناسبا لها خاصة مع وجود زخم وتعاطف أمريكي ودولي يمكنها للمرة الأولى وربما الأخيرة من قطع رأس الأفعي مباشرة (ايران) وليس الاكتفاء بالتعامل مع الأذناب، لذلك كان هناك اكثر من محاولة لاستفزاز طهران وجرها بالاكراه الى حرب مباشرة، وكانت أغلب تصريحات القيادات العسكرية والسياسية في تل ابيب تلقي باللوم على ما حدث ويحدث لإيران وانها المتسبب الرئيسي في عدم استقرار المنطقة بل انها كانت تصرح ان الحرب القادمة ستكون مع طهران ، ولم يكن غريبا انه وفى نفس التوقيت شاهدنا استهداف العديد من القيادات الأمنية والعسكرية الإيرانية في سوريا ولبنان بعضها كان للتأكيد على أن ما تفعله ايران مكشوف تماما لإسرائيل التي يمكنها ان تطال كل من تريده من قيادات ايران في اى وقت، لكن وبعد كل استهداف كانت طهران تنجح في تفويت الفرصة والرد من خلال وكلائها في المنطقة. وفى كل مرة لا يتعدى رد ايران عبارات االوعيد والتهديد ، حتى ولو حدث رد عن طريق احد وكلائها فانه لا يتجاوز اطلاق عدد من الصورايخ التي لا تغنى ولا تثمن من جوع.
حتى جاء الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق على القنصلية الإيرانية في دمشق، واسقط في يد القيادات الإيرانية ، فهى لأول مرة تتعرض لقصف جوى إسرائيلي لمقر بعثة دبلوماسية إيرانية، وهذا الاعتداء بالقوانين الدولية يعد هجوما واعتداءا على ارض دولة تتمتع بالسيادة وهو ما يستلزم رد مباشر وحاسم وسريع على المعتدى ، وكان هذا اخر ما تتمناه طهران لانه ببساطة سيعيدها الى المربع صفر وهو المواجهة المباشرة. كما سيفقدها ميزة تعدد الساحات الذى استثمرت فيه منذ ما يقرب عن ثلاثة عقود لتحاشي مثل تلك المواجهة التي أصبحت الان حتمية اكثر من أي وقت مضى لحفظ ماء وجه ملالي طهران اما الشعب وقيادات الحرس الثورى الذى آلت اليه فعليا الدفاع عن ايران منذ ثورة الخوميني. وعقب الضربة كان من الواضح ان إسرائيل استكملت استعداداتها العسكرية للمواجهة التي تسعى اليها حيث وضعت كافة قواتها الجوية والدفاعية بحالة استنفار قصوى، وأمرت سفاراتها وممثلياتها حول العالم باتباع إجراءات أمنية مكثفة، حتى أنها أغلقت 28 سفارة في عدد من الدول.
الإجراءات الإسرائيلية عززتها تقارير رسمية أمريكية بأن الرد الإيراني على إسرائيل "قادم لا محالة"، وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة قالت إنها تواصلت مع الجانب الإيراني، وأبلغته أنها لم يكن لديها علم بالغارة أو بهدفها، الا ان إيران طلبت من الولايات المتحدة "التنحي جانبا"، بمعنى أن لا تتدخل بردها على إسرائيل.
مستوى التوتر تفاقم لاحقا، خاصة بعد إعلان مسؤولين إيرانيين، وفقا لـ"نيويورك تايمز"، أن طهران اتخذت قرارها بمهاجمة إسرائيل بشكل مباشر، في خطوة تهدف إلى خلق الردع. وهذا ما تبغاه إسرائيل فقد تقدم ايران خطوات كبيرة في طريق المواجهة واصبح التراجع من جانب ايران يمثل هزيمة ثانية وأخيرة للنظام الحاكم هناك، بالتالى لن يكون امامهم سوى المضي قدما وقرع طبول الحرب المحسومة سلفا.
ووصل الامر الى ان بعض الصحف الإيرانية تداولت عددا من السيناريوهات المحتملة للرد الإيراني، حيث اعتبر بعضها أن الهجوم يمكن أن يحدث في الأراضي الإسرائيلية، ونوهت جريدة "خراسان" الإيرانية إلى أنه يجب أن يتسبب في خسائر وأضرار فادحة ويجب أن يكون مرئيا ومسموعا حتى يتمكن الجميع من رؤيته. وأضافت أن الهدف منه "ليعرف الجميع أن قوة الحرب لهذا الكيان (إسرائيل) هي فقط في نطاق عمليات القتل في قطاع غزة، ولم يعد لديه أي قوة".وأضافت أن الرد يجب أن "يكون بطريقة تعرف فيه (إسرائيل) أنه إذا أرادت أن تقوم بعمل جديد فإنه سوف يكلفها أضعافا مضاعفة". وسائل إعلامية محسوبة على المحور الإيراني اعتبرت أنه من ضمن الأهداف التي من الممكن أن تستهدفها إيران، محطات الطاقة الثلاث في إسرائيل، بالإضافة إلى 22 محطة نقل طاقة.
وقد يقتصر الرد ربما على تفجير سفارة في بلد ما، أو حتى تسريع وتيرة برنامجها النووي، في كل الأحوال الهدف الإيراني هو الأهم من الرد على الضربة الإسرائيلية هو عدم الظهور بموقف الضعف أمام شعبها داخليا ووكلاؤها في المنطقة.
خيارات أخرى تبدو جلية في يد طهران، أحدها أن ترد على إسرائيل من خلال المجموعات المتحالفة معها، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن.حتى اللحظة تبدو طهران وكأنها تلعب بسرية تامة لإضفاء نوع من الإرباك بشأن طبيعة وحجم ردها، ولكن كيف يمكنها القيام بذلك دون المخاطرة بإشعال فتيل صراع إقليمي أوسع، تبدو حتى الآن غير مهتمة بإثارته.
الا ان شبكة "سي بي إس" الأمريكية نقلت عن مسؤولين أمريكيين وجود "معلومات استخباراتية تشير إلى أن إيران تخطط لهجوم يتضمن إطلاق مجموعة مسيرات من طراز ‘شاهد‘ المتفجرة وصواريخ كروز".. وهذا هو السيناريو الأقرب للحدوث، وهو أيضا الذى يمكن ان تسمح به واشنطن، على اعتبار انه يلملم جراح طهران من جانب ، ولن يتسبب في اى ضرر لإسرائيل التي تمتلك التكنولوجيا العسكرية لمواجهة مثل تلك الهجمات وتحييدها من جانب اخر، وتكون إسرائيل أيضا تمكنت من إذلال إيران بدلاً من هزيمتها وهو ما يمنحها بعض الرضا قصير الأمد، خاصة بعد تعطل خطتها في غزة الى حين.
للأسف هناك خطر حقيقي لنشوب حرب على نطاق واسع بسبب سوء التقدير في مواقف جميع الأطراف منذ هجوم السابع من اكتوبر، حيث يُنظر إلى كل خطوة يقوم بها أي من الأطراف المعنية على أنها جزء من خطة كبرى للقضاء على الجانب الآخر. فهو يجعل التصعيد غير المقصود، بل وحتى المواجهة الشاملة، احتمالاً حقيقياً قد يجر المنطقة برمتها إلى الحرب والفوضى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة