من الألف إلى الياء
يتوق الكثيرون من أهل الكنانة إلي عودة زمن الفن الجميل واستعادة الدراما المصرية لرونقها المزدهر ولعرشها الغائب بما يليق بمكانتها وسط هذه الزخم من الدراما العربية والمترجمة، وما تنتجه المنصات الرقمية بمختلف توجهاتها الإيديولوجية والنفعية.
وفي كل موسم رمضاني تتجدد الأمنيات والتطلعات، ويكثر الجدل حول تقييم هذا الكم الهائل من الأعمال والمسلسلات بحثا عن نقطة البداية، والمحطة الأولي للعودة، وتصحيح المسار.
وعلاوة علي بعض الأخطاء الفنية الشائعة فهناك أخطاء يرصدها النقاد والمتخصصون وفقا لرؤي المتلقين أوالمشاهدين، باعتبارهم المستهدف الأول من هذه الأعمال لتحقيق المقاصد السامية لرسائل الدراما بمختلف ألوانها الاجتماعية، والتاريخية، والعلمية والدينية، والخيالية.
وخلال السنوات الأخيرة وباستثناء الدراما الوطنية وفي المجمل ما تزال هناك العديد من التحفظات والملاحظات حول تيم وشيم خطوط نسيج البناء الدرامي.
ولعل من أهم متطلبات صناعة الدراما القيمية الهادفة بكافة ألوانها احترام عقلية الجمهور ومنطقية تسلسل الأحداث.
وربما يستثني البعض دراما الخيال العلمي، أو الكتابات الدرامية للأطفال، التي تعتمد في المقام الأول علي محددات تربوية وقيمية وأحيانا تعليمية، مع قدر مقبول من الخيال دون إفراط في الرمزية اللامحدودة .
ولا ريب أن المرتكز الأساسي للبناء الدرامي يعتمد على البناء القصصي لسرد الأحداث وتتابعها بتلقائية وتسلسل منطقي، مع قدر من الإثارة وعناصر التشويق والجذب بلا تكلف أو مبالغة قد تدفع المشاهد لفقد عنصر المصداقية ومن ثم السخرية من تطورات الأحداث وتوابعها.
ولعل هذا ما جسده مسلسل "نعمة الافوكاتو" في دراما هذا العام رغم تفاؤل الكثيرين بحلقاته الأولي لكن التغير الجذري، و التطور الذي حدث في ملامح الشخصية الأساسية المحامية "نعمة" نصير الغلابة والمقهورين والتغير الجذري، الذي حدث في أدبياتها وملامحها خلال المسلسل أصاب المشاهدين بالعديد من الصدمات لعدم منطقية الأحداث، وإنحراف الشخصية عن إطرها القيمية، والأخلاقية الحاكمة في سبيل إشباع رغبة الانتقام، وهي من أسهمت منذ البداية في صناعة شخصية الزوج المستهتر والذي أدمن التهرب من كل مسؤولياته.
أتصور أن مصداقية النص الدرامي تنبع من التوازن في رسم ملامح الشخوص، بما يعبر تعبيرا دقيقا عن أنماط، وتفاصيل المعايشات الحياتية، وفقا لما هو شائع دون تهويل أو تهوين.. مع مراعاة التنوع بين الشخصيات الشريرة والخيرة، وما بينها من ملامح لشخصيات معتدلة، بين أولئك وهؤلاء، وأخري ينازعها الانضمام لكتيبة الاشرار والانتهازيين، لكنها ربما تعود إلى رشدها وجادة الصواب في اللحظات الأخيرة!.
وفي هذا السياق ومن خلال متابعة ورصد الكثير من الأعمال أتصور أن هناك جملة من الأخطاء الشائعة يقع فيها بعض الكتّاب المبتدئين، أثناء السرد وصياغة وتصميم محددات الحوار الدرامي، وتقديم ملامح الشخوص، وأحيانا يخطيء بعض من تمرسوا في الكتابة، في إطار إختلاف الرؤي والقناعات ووجهات النظر.
من بين هذه الخطايا:
-عدم منطقية تتابع الأحداث، ومخاصمة الواقع المجتمعي، وانحراف الخط الدرامي عن مساره الواقعي، تكريس النماذج السلبية، وأحيانا المبالغة في تجسيد صور العنف، والبلطجة وتعاطي المخدرات، والانحراف، والإثارة المفتعلة.
-تهويل النزاعات الأسرية وتحويل العلاقة بين الزوجين إلي علاقة يشوبها التوتر، والصراع، والعصبية ولا تعرف المودة والرحمة والتسامح وتحمل المسؤولية، وغياب تقديم النماذج الإيجابية بما تحمله من قيم الخير والعدل، في مقابل قوي الشر والجنوح عن المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع.
-المثالية المفرطة في تجسيد ملامح البطل، أو مجموعة أبطال القصة، فبعض الكتاب يصورون الشخصيات الخيرة والطيبة بطريقة مثالية جداً لدرجة لا يمكن لأحد أن يتصف بها أو يكون عليها. ولكي تكون شخصية البطل أو البطلة معقولة وقابلة للتصديق يجب أن يكون لديها بعض العيوب الشخصية، فلا يوجد شخص كامل أو مثالي، وهو أمر صحيح في الرواية، التي تعتبر الشخصية فيها هي محركها الأساسي، والقراء سيتوقعون أن الشخصية المحورية ستنمو أو ستتغير بطريقة أو بأخرى.
-تصميم الشخصية الشريرة: ففي كثير من الأحيان لا يلتفت المؤلفون لفكرة المواءمة وعدم المبالغة في رسم شخوص معسكر الأشرار، وتجسيدهم وكأنهم شياطين لا يعرفون أبسط قواعد التعامل الإنساني والرحمة.
وكثيرا ما نرى في الروايات أن الشخصية الشريرة الحاقدة تكون شديدة الخبث، والأذى بصورة أقرب إلى الشخصية الكاريكاتيرية. فإذا كنت لا تقوم بكتابة الكوميديا السوداء، وكنت تبالغ في تصوير الشخصية الشريرة عمدا، فحاول أن تعطيها صفة أو اثنين من الصفات الجيدة واللطيفة، فمثلاً اعتنائها ورفقها بالحيوانات الضالة، أو أنها تتذكر دائما عيد ميلاد جدتها، أو أن تكون بارا بوالديها أومحبا لأخواتها وأقاربها!.
-وهناك أخطاء فى المعالجة الفنية للأعمال الدرامية التراثية، وله شواهد كثيرة في بعض الأعمال عبر محاولات تزييف بعض وقائع التاريخ، وتشويه بعض الروايات لملوك حول حياة الفراعنة، والتشكيك في مرتكزات الحضارة المصرية القديمة، وغيرها.
-ومن أسوء صور
-الإطالة في كتابة المقدمة، ومن ثم تأخير تطور الأحداث بما تضمه من عقد ومشكلات، فكثيراً ما يبدأ المبتدئون كتاباتهم بسرد معلومات إضافية للإطالة في المقدمة، والبطء في سرد الأحداث دون إضافة بعض المشاهد التمهيدية المقنعة والمؤثرة.
-التراخي في منتصف الموضوع: بعض الكتاب يجتهدون في بدايات قصصهم ونهاياتها، ولكن المنتصف عادة ما يكون مملا وثقيلا جدا، لذا عند كتابة قصتك، احرص وحافظ على قوة ومتانة الحبكة الدرامية في وسط القصة.
كما يمكنك الاستغناء عن كل المشاهد غير الضرورية والتي لا تضيف شيئا جديدا حول الشخصيات الرئيسية أو تؤثر على رصانة الحبكة الدرامية، أو تطور سير الأحداث، والتخلص منها فورا.
-التفاوت في سرعة سريان الأحداث: ولعل التحدي الأكبر لكاتب القصص الخيالية هو خلق جو من التشويق والإثارة والحماس بما فيه الكفاية؛ لضمان متابعة القراء لباقي القصة بشغف، مع مراعاة توفير مساحة كافية لالتقاط الأنفاس والاسترخاء قليلا بين الحين والآخر ، فكثرة التشويق يزيد من حدة الضغط، والتوتر ويجعل القاريء أو المتابع قلقا، وربما يصيبه الإجهاد والاضطراب مما قد يدفعهم إلى الانصراف عن متابعة العمل الفني، وعلى العكس فإن قلة التشويق تشعر القارئ بالملل، والأمر مرتبط بمدي إحكامك للحبكة الدرامية للقصة يكون بقدر حفاظك على ذلك الخيط الرفيع بين الصراع في القصة أو مايسمى بالعقدة وحل هذه العقدة؛ لتوفير القدر الكافي من التشويق وتحقيق التوازن المطلوب.
-الحوارات المتكلفة والطنانة: بعض الروائيين والمبتدئين، ممن لم يتدربوا عملياً على كتابة الحوار لديهم مشكلة في جعل شخصياتهم تبدو طبيعية في بعض الأحيان.
لذا فالأفضل قراءة الحوار بصوت عال، ويفضل تسجيله وإعادة تشغيله والاستماع إليه مرة أخرى، وعندها سيعرفون على الفور ما إذا كان لا يبدو مقنعاً، وهذا سيعني العودة إلى مرحلة التخطيط وإعادة الصياغة على النحو الذي يجعله يبدو مقنعاً.
-جميع الشخصيات تتحدث بالطريقة نفسها: تأكد من أن شخصياتك لا تبدو متماثلة أو متشابهة، ففي بعض الأحيان نري الشخصيات تتحدث بنفس الطريقة التي يتحدث هو بها. وحل هذه المشكلة هو كما أنك رسمت شكل شخصياتك وصورهم في مخيلتك، حاول أن تتخيلهم وتسمعهم وهم يتحدثون، وسوف تجد أن لكل منهم عباراته الفريدة وطريقته المختلفة والمميزة في التعبير عن نفسه.
-خدعة التناقضات وعدم اتساق طبائع الشخصيات مع الفترة الزمنية لأحداث الرواية، وهو ما يصيب المتلقي بالضيق والضجر، وأحيانا بالسخرية.
-كثرة التفاصيل التي لا تخدم الفكرة والسياق الدرامي، وأذواق وأراء القراء أو المشاهدين مختلفة في هذا الشأن، ولكن معظمهم في هذه الآونة يميلون إلى قلة التفاصيل أكثر من السابق بكثير، والتركيز علي تطورات وتداعيات الحدث الأساسي للرواية، دون الخوض في أحداث وتوصيفات لا طائل منها، وربما يقتنع بها بعض المؤلفين، وكتاب الدراما لمزيد من التشويق وتأخير النهايات بغية إطالة أمد الحلقات، ولكن إذا زاد الشيء عن الحد انقلب للضد.
- المبالغة في كثرة البحوث ورصد الأحداث، ففي هذه الحالة يقوم الكاتب بعمل أبحاث كثيرة حول موضوع معين ويريد استخدامها كلها، ولذا ينصح المتخصصون إذا كنت تقوم ببحث مكثف حول موضوع معين لإثراء مخيلتك أو زيادة معلوماتك، فلا بأس من ذلك، ولكن لا تشعر بأن عليك استخدام كل هذا الكم الآن، ولكن من الممكن الاحتفاظ بالبقية لمشاريع أخرى في المستقبل.
-وحدة وجهات النظر وتجنب الرؤي الكثيرة والمتضاربة، والتي قد تسبب في إرباك وتشتيت القاريء والمشاهد.
وإضافة لخطايا البناء الدرامي المتعددة والمتجددة، هناك أيضا أخطاء فنية في المعالجات الدرامية، والإخراج، وتصميم الديكور، سواء في مشاهد الحياة اليومية وشكل الأزياء، والمركبات، البيوت، والشوارع، وغيرها، وكلها عناصر مهمة تؤثر في مصداقية الأعمال الفنية لدي جمهور المتلقين.
والخلاصة أن الكتابة الدرامية واحدة من أكثر فنون الكتابة أهمية وإبداعا، ويأتي فنّ كتابة السيناريو الدرامي في المرحلة الأكثر حداثة وانتشارا ما بين دراما السينما، والإذاعة والتليفزيون، ومؤخرا منصّات التواصل الاجتماعي ومنصّات العرض الرقمية فائقة الإبهار والانتشار.
ومن ثم فهناك ضرورة تحتم الاهتمام بمهارات كتابة السيناريو الدرامي وتعزيز مبادئ الكتابة الدرامية، وفنياتها ومكوناتها الأساسية، ومتطلبات ما قبل الكتابة وروافدها، ومهارات ضبط فنيات السرد والحكايات المرئية وأدواتها.
وبنفس القدر تتطلب فنيات كتابة السيناريو التحديد الدقيق لكافة عناصره المكونة له: (الصورة والحوار، بناء الشخصيات، بناء القصّة وحبكتها، وإدراك كيفية مراجعة السيناريو وتحليله وتقييمه وتطويره).
ويري بعض النقاد ضرورة توظيف كافة الخبرات والتجارب الحياتية والمهارات الذهنية والمعرفية، والإنتاجية بما يمكّن المتخصصون من كتابة سيناريو احترافي وفقا لمتطلبات ولياقات الإبداع والتميز.
كلها مساقات ومسارات تعود بنا إلي أهمية تعزيز منظومة الدراما المصرية الأصيلة بروح عصرية ومبتكرة.. وإنا لمتطلعون، ومتفائلون!.