رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

•• تلتهم الحرائق كل شيء أمامها إلا الذكريات التى تبقى محفورة فى أذهان وقلوب من عاشوا أيام ما قبل الحريق .. خاصة لو كانت لحظاتها جميلة وتعيد إليهم أوقات الطفولة البريئة والشباب الجريئة !! .

من يتذكر فيلم « عائلة زيزي » إنتاج ١٩٦٣ وإخراج فطين عبدالوهاب الذى أضحك بأفلامه الكوميدية كل المصريين والعرب .. هناك مشاهد يتم فيها ذكر « ستديو الأهرام » وتظهر بوابته الشهيرة على هيئة نصف دائـرة « قـوس » عندما دخل منها فؤاد المهندس وأحمد رمزى لينقذا أختهما سعاد حسنى من السير فى طريق الفن متخفيين فى أزياء « الكومبارس » !! .

يعود تاريخ « ستديو الأهـرام » إلى عام ١٩٤٤ عندما أنشأه اثنان من اليونانيين الذين كانوا يعيشون بمصر لتصوير وتحميض أفلام السينما التى انتعش انتاجها فى هذه الفترة خاصة بعد إنشاء « ستديو مصر » عام ١٩٣٥ ضمن منظومة الاقتصاد الوطنى التى أقامها طلعت حرب .. وبعده شيد المصور هرانت ناصيبيان ستديو باسمه فى منطقة الفجالة عام ١٩٣٧.. وفى عام ١٩٤٤ أيضاً قام المخرج أحمد جلال مع زوجته مارى كوينى بوضع حجر أساس ستديو جلال بحدائق القبة .. وبعدهم عام ١٩٤٦ قام يوسف وهبى بالاشتراك مع عائلة نحاس بافتتاح ستديو نحاس بالهرم فى الشارع المقابل لمحافظة الجيزة حالياً .. ويبدو انها كانت تجارة رابحة اضافة إلى انها ساهمت فى تحويل مصر إلى هوليود الشرق .

نعود إلى « ستديو الأهرام » الذى تداولت وسائل الاعلام والمواقع خبر الحريق الذى شب فيه وأتى عليه منذ أيام .. ولكن الحقيقة ان المبنى الأصلى التاريخى للاستديو لم يصب بسوء وكذلك الأرشيف ومعامل التحميض ومن يريد التأكد فليذهب ويشاهد .. وقد أكدت الدكتورة نيفين الكيلانى وزيرة الثقافة ذلك بعد زيارتها للمكان .. حيث ان الحريق وقع فى بلاتوهات تابعة للاستديو ولكنها خارجية فى الخلف على شارع خاتم المرسلين وليس شارع الاستديو الرئيسي .. وبالتحديد فى بلاتوه « الحارة المصرية » الذى بناه عام ١٩٨٦ المخرج على بدرخان أثناء تصوير فيلم « الجوع » المأخوذ عن رواية الحرافيش لنجيب محفوظ ومن بطولة سعاد حسنى ومحمود عبدالعزيز ويسرا وعبدالعزيز مخيون .. ولأن البلاتوه تكلف وقتها مبلغا كبيرا فقد تم الاحتفاظ به لتصوير أى أعمال فنية عن « الحارة » مع بعض التغييرات فى الديكور حيث كان قبل ذلك يتم بناء الديكور ثم هدمه فى كل مرة بعد تصوير الفيلم أو المسلسل !! .

.. ومن عاشوا فى هذه المنطقة من شارع الهرم لهم ذكريات جميلة مع الاستديو الذى كان بالقرب من بوابته كشك « عم شعبان » وهو كان صديقا للفنانين ويداعب الأطفال الذين يقفون أمام البوابة لتحية النجوم أثناء دخولهم لتصوير الأفـلام فقد كان رحمه الله بشوشا وطيب القلب وظهر فى عدة أفلام وهو يبيع السجائر للممثلين !! .

.. وكان شارع ستديو الأهرام فى الستينيات والسبعينيات مليئا بالفيلات وأول ما تدخله تفوح منه رائحة الفل والياسمين حيث كان فى أوله فيلا المخرج أحمد بدرخان ثم ابنه على بدرخان وكثيرا ما شاهدناه فيها ومعه سعاد حسنى وتم فيها تصوير فيلم « الحب الذى كان » عام ١٩٧٣.. وفى آخر الشارع كانت فيلا أحمد عبدالآخر الـذى أصبح محافظا للجيزة وأمامها فيلا رمضان للأخوين العميد عبدالفتاح رمضان ورجل الأعمال عبدالحليم النمس وقد اشترى هذه الفيلا أحمد الريان صاحب شركة توظيف الأموال وأعتقد مازالت ملكا لأسرته وبجوارها فيلا المستشار الدمرداش .. وكان فى وسط الشارع بيت المعايرجى وكذلك منزل أصحاب احدى البواخر النيلية ومجموعة محلات حلويات شهيرة .. وهناك كانت حديقة مليئة بالزهور وأشجار الفاكهة تحولت إلى مدرسة « طه حسين » حيث كان يقيم عميد الأدب العربى على مقربة من هذا الشارع فى محطة مدكور فى فيلا « رامتان » التى أصبحت متحفا .. وكان بجواره فيلا عميد المسرح يوسف بك وهبى ويقال انه تم فيها تصوير أغنية عبدالوهاب عاشق الروح فى فيلم غزل البنات بطولة نجيب الريحانى وليلى مراد واخراج أنور وجدى .. فكان سكان المنطقة يشاهدون هؤلاء القمم مع الممثلين ويصافحونهم .

..وكان فى مقابل شارع « ستديو الأهرام » معهد التربية الرياضية للبنين الذى أصبح كلية وبجواره ملهى الأوبرج الشهير الذى كثيرا ما كان يتم فيه تصوير الأفلام هو وكازينو وحديقة الأريزونا الذى يبعد عنه ٣ محطات أتوبيس وشهد العديد من نجوم الغناء وميلاد المطربين العرب عندما حضروا لمصر لأول مرة ومنهم طلال مداح ومحمد عبده .. كما غنى فيه عبدالحليم حافظ فى صيف عام ١٩٧٣ وشدا يومها بـثلاث أغنيات « رسالة من تحت الماء ويا مالكا قلبى وحاول تفتكرني ».. وفى هذا اليوم من شهر أغسطس كان قد تردد ان العندليب الأسمر سيصل إلى حدائق الأريزونا فى المساء فتجمع الآلاف من المغرب ليشاهدوه ويصافحوه ومر الوقت وكل ساعة يقل العدد حتى أصبحنا قرب منتصف الليل وظن الناس انها شائعة فذهبوا جميعا ولم يصمد واقفا سوى ٣ أو ٤ أشخاص « كنت أحدهم » وبالفعل جاء عبدالحليم بسيارته السوداء وكنا نحن فقط فى استقباله خارج الكازينو وصافحناه ودخل سريعاً .. وظللنا نستمع إليه حتى الفجر فقد كان بيتنا قريبا ويصل صوت ميكروفون الأريزونا إلينا .. خاصة اذا كان الغناء فى الحديقة وليس فى القاعة الداخلية !! .

.. إذا عدنا إلى شارع الاستديو ففى الجهة المقابلة له من شارع الهرم أنشأت شريفة فاضل كازينو « الليل » وبجوارها أقامت سهير زكى عمارة سكنية .. وأمامهما كان ملهى صغير تحت الأرض اسمه « الكهف » بجوار شركة الكهرباء وفى شارع فاطمة رشدى الموازى له كانت عمارة على الناصية سكنت فيها يسرا فى بداية مشوارها الفني.. التى حدث ان حضرت عزاء والدة صديق لنا من المنطقة وعندما دخلت سلمت عليه لتواسيه فقال له أحد الحاضرين « أيوة يا عم ان مع العسر يسرا » فانفجر شادر العزاء كله بالضحك .. وكان فى العمارة المجاورة للاستديو مباشرة يسكن المطرب السورى أركان فؤاد عندما حضر من سوريا وكان السكان يرونه ينزل ممسكا عوده ليذهب إلى معهد الموسيقى أو ليغنى فى الحفلات مرتدياً بدلة بيضاء !! .

أما « ستديو الأهـــرام » فقد حضرنا فيه تصوير العديد من الأفلام وآخرها أتذكره جيدا كان فيلم « امبراطورية ميم » ويومها شاهدت سيدة الشاشة فاتن حمامة لأول مرة وكان يتم تصوير مشهد حفل ليلة الانتخابات العائلية فى حديقة الاستديو .. وقبل التصوير دخل أحمد مظهر ووجد السيدة فاتن فقبل يدها ثم بدأ التصوير وصاح المخرج حسين كمال صيحة قوية ليخرج غير الممثلين ولكن صديقى مؤمن الشيمى الذى كان بيته ملاصقا للاستديو ويعرف مخابئ المكان أخذنى خلف الأشجار وظللنا نتفرج على كل المشاهد ومن يدقق النظر فى الفيلم سيرى خيالات وراء أشجار سور الحديقة التى يتم فيها التصوير .. وهى فى الحقيقة أنا وصديقى وقلنا فى المدرسة اننا مثلنا فى فيلم « امبراطورية ميم » !! .

يرتبط شـارع « ستديو الأهــرام » فى ذاكرتى بحرب أكتوبر ١٩٧٣م أو العاشر من رمضان ١٣٩٣هـــ حيث تطوعنا فى المقاومة الشعبية فحولونا إلى التدريب على حمل السلاح فى نادى الشركة الشرقية للدخان الذى يقع قريباً من الاستديو حيث آخر الشارع كانت هناك ترعة هو على يمينها مباشرة على بعد خطوات من شركة « تليمصر » لصناعة التلفزيون والالكترونيات التى كانت من أوائل الشركات التى تم خصخصتها وقام من اشتراها ببيع أجزاء من أرضها استثماريا وحقق أرباحا ولم يستثمر فى توسيعها ولا فى انتاج التلفزيونات كالمتوقع وتلك من عيوب عقود الخصخصة الأولي .. المهم ذهبنا إلى التدريب على يد الصول عبدالسلام .. وبالفعل أنهينا التدريب خلال اسبوعين وجاء وقت ترحيلنا إلى السويس وتحدد يوم ٢٣ أكتوبر.. ولكن الرئيس السادات وقع على وقف اطلاق النار يوم ٢٢ أكتوبر وتم إلغاء سفرنا وعندما أخبرونا بكى الفوج كله فقد كنا نريد الذهاب مع ان عمرنا لم يكن يتجاوز ١٨ سنة .. وأمس احتفلنا بالذكرى رقم ٥٢ لانتصار العاشر من رمضان بينما بعد ٧ شهور فى السادس من أكتوبر القادم تكون الذكرى رقم ٥١ لأن المعروف ان كل عام هجرى يقل تقريباً ١١ يوما عن الميلادى وان كل ٣٣ سنة ميلادية تزيد أمامها سنة هجرية حيث يعود نفس التاريخ الهجرى والميلادى معا تقريبا.. وفى العاشر من رمضان كان آخر مرة تجتمع فيها كلمة العرب لذلك حققواالانتصار !! .

‏خلال الأيام القليلة الماضية بعد حريق « ستديو الأهـرام » وقعت عدة حرائق ممتالية في أماكن متفرقة منها استديو في مدينة الإنتاج الإعلامي وحريق في احد المصانع و ثالث في مول يضم عدة بنوك بالتجمع الخامس .. وكنا زمان نسمع عن أن الحرائق تقع في الصيف مع ارتفاع درجة الحرارة أثناء عمليات الجرد والتفتيش وكان المتهم غالبا " عقب سيجارة مجهول المصدر‏ او ماس كهربائي " ويفلت الجناة .. ولكن الجديد في حرائق هذه الأيام أنها تقع في عز الشتاء وسط هطول الأمطار .. عموما علينا انتظار التحقيقات .. ويا رب نصل هذه المرة إلى الجناة !! .

المهم .. دارت الأيام ولم يعد شارع الهرم كما كان .. وحتى شارع الاستديو تحول إلى عشوائيات ولم تعد تفوح منه رائحة الُفل والياسمين وهجره أهله .. وتوقف العمل فى ستديو الأهـرام لسنوات حتى تم تجديده مؤخراً وبدأ العمل فيه العام الماضى إلى أن جاء حريق « البلاتوهات » الخارجية .. وهو للأسف لم يدمرها فقط ولكنه أحـرق عدة منازل حولها ومازال بعض السكان لا يجدون مأوى رغم ان الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء قرر صرف تعويض فورى لكل أسرة ١٥ ألف جنيه حتى تنتهى شركة المقاولون العرب من إزالة آثار الحريق وإعادة بناء ما تم هدمه أو تلفه .. والحمد لله انه لم تقع خسائر فى الأرواح .

قلوبنا مع الأهالى الذين فقدوا منازلهم .. والأمـر يستدعى سرعة الترميم والبناء ليعودوا إلى حياتهم الطبيعية بعد هذه الكارثة التى لا دخل لهم بها ونزلت عليهم كالقضا المستعجل .. وشاءت إرادة الله أن ينجو « ستديو الأهرام » الأصلى القديم من الحريق وعلى وزارة الثقافة الاهتمام به وإعادته إلى سابق عهده ليظل باقيا ومعه ذكريات كل من عاشوا فى زمن الفن الجميل الذى نتحسر عليه جميعاً !! .

بالذمة مش الكلام والكتابة عن الذكريات والفن والسينما والموضوعات الخفيفة التى يعتبرها البعض « تافهة ».. أحسن ألف مرة من حرق الدم والاحساس بالعجز ونحن نشاهد كل يوم المئات يموتون فى غزة لاننا لا نستطيع فعل أى شيء سوى الدعاء فهذا ما نملكة لهم .. فقد كتب علينا أن نعيش فى عالم لا يعرف الرحمة ولا العدالة ولا الانسانية .. ووسط تواطؤ أمريكى دولى مع الصهاينة .. وتخاذل عربى واسلامى غير مسبوق وغير مبرر عن اتخاذ مواقف تجبر العصابة التى تحكم اسرائيل على وقف الحرب وإقامة الدولة الفلسطينية وانقاذ ما تبقى من الشعب الفلسطيني ؟! .
******
.. إلى كل أم فى عيدها !!

اليوم عيدها ..
فمن سواها تستحق الأعيادِ
لولا حنانها وصبرها ..
ما صار شأن لنا بين العبادِ
سهرت وضحت وربت ..
فمهما بلغنا الُعلا والأمجادِ
نحنِ الرأس ..
ُنقبل الأقدام قبل الأيادي
•••
اليوم عيدها ..
وصى بها الرب فى كل كتاب
ببرها تفتح الجنة ..
أبوابها وتنادي
يا من أطعت ربك ..
ورضيت عنك أمك
أهلاً بك ادخل ..
ان شئت من كل أبوابى .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة