من الألف إلى الياء
من الحقائق التي يدركها غالبية أبناء المعمورة أن الله خلق الكون بحكمة بديعة متضمنا النظم البيئية بكافة مكوناتها الطبيعية ،وفق آلية ربانية متوازنة تضمن تجددها، واستدامتها بطرق ووسائل تلقائية ،لكن إصرار إنسان العصر علي التنكر لهذه الحقيقة،هو ما جلب عليه نكبات التغيرات المناخية وتداعياتها المؤلمة.
ووفقا لمعطيات الواقع المشهود فإن الدول الصناعية وفي مقدمتها الدول الأوروبية تتحمل مسؤولية الإضرار المباشر بالبيئة الإنسانية والإسهام بالنصيب الأكبر من حجم تداعيات التغيرات المناخية بكافة صورها وتأثيراتها.
وعن الأسباب كل الكوارث البيئية والطبيعة فتش أولا عن الأنشطة البشرية غير المرشدة ،وعلي رأسها التنافس اللامحدود في التصنيع الكثيف واستخدام الوقود الأحفوري ،ومن ثم الاعتماد علي الفحم الحجري والنباتي وما ترتب عليه من عدوان جائر وقطع للغابات وإزالة للغطاء النباتي الطبيعي.
ومن الظواهر الخطيرة التي تعاني منها أرض المعمورة شرقا وغربا استمرار ظاهرة إزالة الغابات ،وتزايد معدلات حرائق الغابات في مناطق متعددة من دول العالم ،مما أثر سلبا علي التنوع البيولوجي وتدمير الأنظمة الطبيعية ،علاوة علي تسريع وتيرة التغيرات المناخية نتيجة لزيادة معدلات الاحترار وزيادة الانبعاثات الكربونية الضارة بالإنسان والحيوان وعلي كافة المشروعات الزراعية المصدر الاستراتيجي الآمن للغذاء.
وتشكل الغابات نسبة 31% من إجمالي مساحة الأراضي على مستوى العالم، وتشير التقارير إلي أنه منذ عام 2000، وحتي 2020، تراجعت مساحة الغابات في جميع أنحاء العالم بنسبة 2.4%، أي بمساحة تعادل مساحة مصر تقريبا.
وتوفر الغابات التي تغطي نحو ثلث سطح الأرض، موئلا لأكثر من 80% من جميع الأنواع الأرضية،وهي المرتكز الأساسي للحفاظ على التنوع البيولوجي.
كما تشير التقارير إلي أن ما يتراوح بين 300 إلى 350 مليون شخص على مستوى العالم يعيشون في الغابات أو بالقرب منها ويعتمدون عليها إلى حد كبير في كسب رزقهم؛ ويعتمد أكثر من مليار شخص على الغابات في فرص العمل وإنتاج الغابات والمساهمة في كسب الدخل.
كما تؤدي الغابات دورا رئيسيا في التخفيف من آثار تغير المناخ، حيث تزيل ما يقدر بنحو 16 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي سنويا، وهذا ما يزيد عن ربع كمية ثاني أكسيد الكربون السنوي الذي يتم إطلاقه من حرق الوقود الأحفوري.
والغابات هى رئة الكرة الأرضية فى امتصاص ثانى أكسيد الكربون وانبعاث الأكسجين، وتتسبب حرائق الغابات فى أضرار بيئية شديدة مثل زيادة ثانى أكسيد الكربون ،وبالتالى ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض وذوبان الجليد وارتفاع منسوب سطح البحر وغرق المناطق الساحلية المنخفضة.
وهناك أضرار صحية كثيرة نتيجة زيادة أدخنة ثانى أكسيد الكربون منها إلتهاب العين والحلق وصعوبة فى التنفس وآلام فى الصدر،وغيرها.
ومن الحقائق أن أكثر من ربع أراضي الغابات في العالم في روسيا والبرازيل وكندا والصين.
وفي 40 بلدا، لا يشكل الغطاء النباتي سوى أقل من 10% من إجمالي مساحة أراضيها.
وتتركز الغابات المدارية حول خط الاستواء وتشكل حوالي 45% من الإجمالي العالمي، وهذه الغابات هي الأغنى في التنوع البيولوجي ،وتخزن أكبر كمية من الكربون، وتبلغ الكثافة الكربونية للغابات المدارية المطيرة ضعف مثيلتها في المناطق الأخرى.
وتمثل الغابات شبه المدارية، نحو 11% من المجموع، تقع إلى الشمال والجنوب من الغابات المدارية، وهي مماثلة للغابات المدارية فيما يتعلق بتخزين الكربون وحفظ التنوع البيولوجي.
وهناك الغابات المعتدلة في أوروبا الوسطى والغربية وأمريكا الشمالية وشرق آسيا وتشكل حوالي 16% من الإجمالي العالمي.
وتشهد الغابات المعتدلة أربعة مواسم منها موسم نمو طويل وشتاء بارد خامل، وعادة ما تكون مستويات التنوع البيولوجي بها أقل من الغابات المدارية وشبه المدارية.
وتوجد الغابات الشمالية، التي تتكون أساسا من الصنوبريات دائمة الخضرة، في المناطق ذات المناخ البارد في الأجزاء الشمالية من روسيا وكندا والدول الإسكندنافية وآلاسكا.
وبالنظر إلى خريطة العالم خلال السنوات الأخيرة سنجد أمثلة عديدة لفقدان الغابات وإزالة الغابات ،وخلال عام 2021 جاءت البرازيل ثم جمهورية الكونغو الديمقراطية ثم بوليفيا في المراكز الأولي عالميا من حيث فقدان الغابات الأولية.
وكان النموذج الأبرز بحوض نهر الكونغو ، والذي يضم ثاني أكبر غابة مطيرة أولية في العالم، وتعرضت لفقدان معظم الغطاء الشجري تقريبا بين عامي 2001 و2021 مدفوعا بالزراعة المتنقلة، وحرق مساحات من الغابات لإنتاج الحطب والفحم النباتي لاستخدامهما كمصدر أساسي للطاقة والوقود.
وقد كانت حرائق الغابات هي المسبب الرئيسي لفقدان الغطاء الشجري في روسيا، حيث تمثل أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي فقدان الغطاء الشجري في العقد الماضي، وفي عام 2021، فقد 55200 كيلومتر مربع من الغابات بسبب الحرائق.
وفي بلادنا العربية وخلال السنوات القليلة الماضية شهدنا نماذج مختلفة لحرائق الغابات في تونس والجزائر والمغرب نتيجة موجات الجفاف والاشتغال الذاتي، ومنها المقصود ،وبفعل فاعل في أحيان أخرى!.
ومن قبلها جاءت سلسلة حرائق لبنان في أكتوبر 2019 ،والتي ناهزت 100 حريق ،حيث انتشرت على مساحات واسعة بغابات لبنان وأتت على مساحات كبيرة من الغابات والمناطق السكنية في منطقة الشوف وإقليم الخروب ببيروت.
وفي العام الماضي شب حريق ضخم بالعراق إلتهم 3 آلاف دونم من الأشجار الطبيعية بشمال كردستان.
وخلال الشهور الماضية اندلعت مئات الحرائق في كندا التي هددت شرق الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تكونت سحب كثيفة من أدخنةثانى أكسيد الكربون.
كما تشير المعلومات إلي أن متوسط عدد الحرائق فى كندا 1624 سنويا، تحرق مساحة أكثر من نصف مليون فدان، حاليا حوالى 400 حريق نصفها خارج السيطرة، وتسببت فى حرق أكثر من 7.5 مليون فدان، وتعد أسوأ الحرائق فى كندا خلال السنوات الأخيرة.
كما أن متوسط الحرائق فى أمريكا حوالى 60 ألف حريق تلتهم حوالى 6 مليون فدان من الغابات سنويا..والأمثلة في هذا الشأن لا تعد ولا تحصى!.
واعتقد أن هذا الملف يتطلب وقفات عديدة لتصحيح المسار الإنساني ،انطلاقا من أهم أهداف التنمية المستدامة علي المستوي الأممي ،التي تدعم ضرورة استعادة وتشجيع الاستخدام المستدام للنظم الإيكولوجية البرية والغابات، ووقف تدهور الأراضي، ووضع حد لفقدان التنوع البيولوجي.
وأصبح لزاما أن تتكاتف الدول في توفير الحماية اللازمة للغطاء النباتي الطبيعي ،وخاصة مع إعلان الإتحاد الأوروبي تطبيق ضريبة الكربون الجديدة منذ ديسمبر الماضي بشكل تدريجي استعدادا لدخولها حيز التنفيذ بشكل كامل مع بداية عام 2026، وذلك علي السلع والمنتجات المستوردة بهدف الحد من الانبعاثات الكربونية وحماية البيئة وتحفيز الاقتصاد الأخضر والتوافق مع البصمة الكربونية.
وقد يري البعض أن الدول الصناعية لا تتعمد بصورة مباشرة الإضرار بالبيئة ،لكنها وحتي كتابة هذه السطور عاجزة عن اتخاذ إجراءات فاعلة فيما يتعلق بتحقيق المعادلة الصعبة وخفض الانبعاثات الكربونية وتحمل تكلفة الهدر البيئي وتوفير التمويل اللازم لدعم صندوق الأضرار البيئية.
وبحسابات الورقة والقلم فإن الدول الصناعية لن تتنازل عن برامجها التصنيعية والتي جعلتها في مرتبة الصدارة مقابل تعزيز برامج حماية البيئة علي المستوي المحلي والأممي.
إن حالة التناقض بين القول والفعل أصبحت وأمست سمة أساسية في أدبيات دنيا الغرب تجاه مختلف قضايا البيئة والسياسة والإنسان ..وحتي إشعار آخر!.