نقطة ومن اول السطر. فلن نتحدث عن توتر العلاقات بين القاهرة وانقرة بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013. فالمستقبل بعد زيارة الرئيس التركى رجب اردوغان الى القاهرة ينبئ بإيجابيات قوية على كافة الأصعدة سواء من ناحية العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية التي تجمع البلدين او على المستوى الإقليمي من حيث أماكن التوتر، وهى عديدة بداية من ليبيا الى السودان واثيوبيا مرورا بالوضع في غزة وصولا الى سوريا والعراق.
على مستوى العلاقات الثنائية، فلم تتأثر معدلات التجارة بين مصر وتركيا بالتوترات السياسية بينهما. وقد ارتفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 7.7 مليار دولار عام 2023، مقارنة بـ 6.7 مليار دولار في عام 2022. وهذا التبادل مرشح الى زيادته لاكثر من الضعف حيث اعلن كلا من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونظيره التركى بعد لقائهما في القاهرة ان البلدان سيعملان على زيادة التبادل التجارى الى 15 مليار دولار سنويا ، كما سيتعاونان لزيادة الاستثمارات المشتركة.
وعلى مستوى التعاون السياسي والدبلوماسي إقليميا، فهناك عدد من القضايا المهمة التي تنتظر هذا الانفراج في العلاقات بين مصر وتركيا لحسم الكثير من الخلافات.
منها قضية ترسيم الحدود البحرية التي كانت على الدوام موضوعا مثيرا للجدل في التفاعلات الدبلوماسية بين البلدين. وفي عام 2020، وقعت مصر واليونان اتفاقية حدود بحرية، بناء على اتفاق مماثل أبرمته مصر مع قبرص في عام 2003. ومن المرجح أن يكون الاتفاق مع اليونان في عام 2020 بمثابة خطوة مضادة لاتفاقية الحدود البحرية لعام 2019 بين تركيا وحكومة غرب ليبيا.
وعندما أعلنت مصر عن تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في أوائل عام 2019، رحبت بانضمام جميع دول البحر الأبيض المتوسط، فيما عُدّ دعوة لتركيا لتنضم إليه.
وعلى مدى السنوات التاليه، حاولت تركيا إغراء مصر عدة مرات من خلال منحها جرفا قاريا أكير مما هو محدد في اتفاقاتها مع اليونان وقبرص، بشرط اتفاق ثنائي بين القاهرة وأنقرة. لكن رد القاهرة كان دائما الالتزام بعدم التدخل او المساس بحقوق ومصالح الاخرين.
وحقيقة الامر ان النفوذ المتزايد للمنتدى، يوفر الإمكانية لقيام تعاون أكبر بين دول البحر المتوسط، بما فيها تركيا واليونان وقبرص.
لاشك ان القاهرة لديها القدرة على ان تحافظ على توازناتها في علاقات الخارجية، ومن المستحيل اى يتسبب عودة العلاقات مع انقرة في تراجع بالعلاقات مع اليونان وقبرص، وهما حليفتان للقاهرة في شرق المتوسط، وعالقتان أيضا في نزاعات مع أنقرة على الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن البترول والغاز. وعلى العكس سيكون لعودة العلاقات تأثيراً قويا على تهدئة وتهيئة المناخ لعلاقات اكثر تطورا بين انقرة وكلا من أثينا وقبرص.
لذلك فان أي توافق في الآراء بين مصر وتركيا بشأن الحدود البحرية سيكون له تأثير مفيد على الوضع العام في شرق البحر الأبيض المتوسط
وفيما يتعلق بالملف الليبي، فهناك توافق بين القاهرة وانقرة على ايجاد صيغة للتعامل مع الملف الليبي، أوتقليل التوترات في هذا الملف وقد تساهم أيضا في تمهيد الطريق للتسوية في ليبيا، بما في ذلك حشد الدعم الدولي لإجراء انتخابات في البلاد وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية.
على صعيد الازمة المشتعلة في قطاع غزة، فالدور السابق لانقرة كان سببا في زيادة حدة الصراع بين حماس والسلطة الفلسطينية، وهذا الدور مرشح حاليا للتوافق مع الدور المصرى الذى يرى ان السلطة هي الممثل الوحيد للفسطينيين، وتوحيد الرؤى سيكون عامل حاسم في ترتيب الأوضاع بعد نهاية الحرب في القطاع.
مصر وتركيا دولتان مركزيتان في المنطقة،لا يمكن تجاهل اى منهما، والتفاهم بينهما ضرورى لاستقرار الامن في المحيط الاقليمى.ربما كان الطريق إلى إنهاء الخلافات أو التغلب عليها بين القاهرة وأنقرة طويلا وشاقا. غير أن تسوية هذه القضايا ستكون لها آثار إيجابية على البلدين، والحقيقة أن العلاقات بينهما الان تسير في الاتجاه الإيجابي التصاعدي، وهذا التطور المتلاحق في مسار العلاقات سيكون له الكثير من الانعكاسات الاستراتيجية، بالنظر لحاجة الإقليم إلى أكبر قدر من التعاون أكثر من المواجهة. والدولتين لديهما هذا الإدراك، حيث تهتمان بتعزيز التعاون من أجل الحفاظ على الاستقرار في هذه المنطقة المشتعلة، وسيكون التقارب المصري التركي من الان أحد دعائم استقرار الإقليم الذي أصبح على فوهة بركان.
التحديات التي تواجه الإقليم تجعل الدول ذات الرسوخ في المنطقة تتجاوز بعض المشاكل وتنظر إلى البعد الاستراتيجي للمنطقة بشكل عام، وبالتأكيد هناك بعض الاختلاف في وجهات النظر إزاء بعض المسائل لكن الهدف الرئيسي والاستراتيجي هو التعاون من أجل الوصول لتخفيض لحدة التوتر بالإقليم الذي نعيش فيه، وبالتالي فمصر وتركيا لديهما من الإدراك على تجاوز بعض الخلافات إن كانت لا تهدد الأمن القومي لأي منهما وهذا هو المنهج الذي ستسير عليه الدولتين خلال المرحلة المقبلة.