أبيض وأسود
[email protected]
يجهل الرئيس الأمريكي جون بايدن النصيحة التالية: إنه " إذا اخترت الجلوس علي مقعدين في الآن عينه، فقد تقع كما يقال في الفراغ الذي يفصل بينهما".. الرجل الثمانيني الذي يقود القوة العسكرية الأقوى والأكثر فتكًا في تاريخ العالم، والأغنى علي الكوكب والتي تمتلك ٦٠ في المئة من ثروات الأرض، أثبت بمواقفه وقراراته ومداخلاته ودبلوماسيته وتصريحاته، في الحرب علي غزة، بما لا يدع مجالا للشك أن إحلال السلام في الشرق الأوسط وإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، أمنية بعيدة المنال في عهده.. الأمر لا يتعلق بضعفه ولا بقلة حنكته السياسية ولا بهرمه وتقدمه في العمر، وإنما يتعلق بالإدارة الأمريكية نفسها، وأولوياتها، وهو وثيق الصلة بالمجتمع الأمريكي نفسه الذي يتهاوى جراء الانقسام والتفتت، ما بين حزمة الديموقراطية والتنوع والحقوق المدنية والقيادة الأخلاقية للعالم، وما بين حزمة التشدد والأصولية والعنصرية والشعبوية وإدارة العالم بصراعاته وأزماته بطريقة الشركات الخاصة والسمسرة والابتزاز. وحتى تحسم أمريكا أمرها وتنجح في علاج انقسامها لا قدرة لها على حل شيء، بل إنها تثبت في كل أزمة أنها المغفل الذي يطفئ النيران في المشتعلة حول بيته بسكب البنزين عليها. فلا يعقل أن لا تحاسب أمريكا نفسها عن الحرب التي شبت في غزة فجأة ما بين طوفان المقاومة الفلسطينية المباغت وما بين رعونة اليمين الإسرائيلي المتشدد الذي أوصل المنطقة لمرحلة الغليان، فلا السي آي إيه توقعت الحرب واستبقتها بتسريبات كما حدث في الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا مؤسساته البحثية كانت متأهبة بسيناريوهات التعامل مع الأزمة، ولا البنتاجون كان جاهزًا بما يكفي لإظهار لتدخل جراحي وعسكري، ولا الدبلوماسية في لياقتها لفرض كلمتها علي أطراف الصراع.. كل شيء تم في عشوائية وعجالة وبلا تعقل فقام بايدن بالشيء ونقيضه في آن واحد. من ناحية أغدق علي إسرائيل بكل ما تريد من سلاح للفتك بالفلسطينيين، وعرقلت إدارته بالفيتو المتكرر أي إدانة لإسرائيل أو قرار بوقف إجرامها في غزة، وزار بنفسه تل أبيب ليعلن الدعم وصهيونيته، وحرك أساطيله وحاملات الطائرات للدعم والحماية، ووفر للكيان المحتل كل الدعم الاستخباراتي. وفي الجانب المقابل أظهر قناع اصطناعي إنساني يطالب إسرائيل فيه بعدم استهداف المدنيين، وتخفيف العمليات، والسماح بالمساعدات، ولوح أخيرًا بورقة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
التناقض في تصرفات الإدارة الأمريكية مرده ليس لمفاجأة ما حدث فقط، بل مرده أنها شريك في الجريمة والإبادة والمقتلة الفلسطينية، وهي بالمنطق لا تصلح راعيًا للسلام ولا ضامن لما بعد الحرب، وهو ما يؤكده المفكر العالمي الكبير نعوم تشومسكي في كتابه "صناعة المستقبل : الاحتلال، التداخلات، الإمبراطورية والمقاومة أنه "لا يمكن لإسرائيل أن تتقدم إلا بقدر ما تسمح لها الولايات المتحدة به فقط. فلطالما كانت الولايات المتحدة مشاركًا مباشرًا في الجرائم الإسرائيلية حتى تلك التي كانت تدينها رسميًا، ولكن تجاهلتها".
بايدن في الفاترينة الرئيسية للسياسة الأمريكية هو نتاج استراتيجية ومجتمع رأسمالي متوحش في وقت تاريخي لا يمكن تجاوزه، والحقيقة التي يجب أن ننتبه لها أنه لا فارق بينه ولا ترامب، كلاهما وكلاء للانتهازية وللشركات العابرة للقارات يتلقيان الدعم من اللوبي اليهودي. وفي كتاب "فلسفة الفوضى : هل ينقذ الدمار البشرية؟ أكد سلافوي جيجك، أهم الفلاسفة في عصرنا، أن "بايدن هو ترامب بوجه إنساني، أكثر تحضرًا ولطفًا".
واحد ألمع العقول الأمريكية وهو من أصل باكستاني الكاتب المسرحي أياد أختار في سيرته "مرثيات وطن" يصف أمريكا بوطن "عبادة الرغبة"..و"انتفاخ تقدير الذات"..و"مستعمرة لصوص". وهذه أوصاف تسري من وطن إلي أفراده، فبادين بكل الخرف الذي يعاني منه لا أمل فيه، وهو ما يستدعي "أختار" ليواصل النقد اللاذع قائلًا إن هذه" أمة مستعبدة بغبائها. السياسة الآن مجرد مسرحية . تزرع الصراع، وتحصد تبعاته".
وهذا ما قامت به أمريكا في غزة : صَهينت عن اليمين المتشدد الإسرائيلي ودعمته في الوصول للحكم وأمدته بالسلاح والدعم لتحصد بعد ذلك، وهو عين الأمر الذي قامت به في العراق وأفغانستان وأخيرًا أوكرانيا.. تحولت أمريكا في قيادتها للعالم إلى عبء كبير علي العالم، وفقدت في طريقها كل شيء، المبادئ والأخلاق لنقف أمام مجموعة من اللصوص، وهذا ما دعي في فبراير ٢٠٢٠وأثناء ترويج هاريسون فورد فيلمه الجديد "نداء البرية" the call of the wild في مدينة مكسيكو إلي القول، إن " أمريكا قد خسرت قيادتها الأخلاقية وصدقيتها".
ولا تَغرّنك انتقادات بايدن لنتنياهو وقادة اليمين الإسرائيلي عما يحدث بغزة وهجومها المرتقب علي رفح من أجل تنفيذ أكبر مجزرة في التاريخ، فهي مجرد كلام، لن تهز شعرة في كيان الاحتلال، ما سيهز الاحتلال قرارًا من مجلس الأمن دون فيتو أمريكي. وما سيرعب إسرائيل حقًا موقف أمريكي يقول إن مصالحنا المشتركة باتت ضارة.
كاتبنا العالمي نجيب محفوظ وصل لعمق العلاقة بين أمريكا منذ عقود، ففي كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ" لرجاء النقاش يروي نجيب محفوظ أنه عقب الحصول علي نوبل لم يصب بالحزن والإحباط بسبب الهجوم الذي تعرض له من بعض الأدباء وعلى رأسهم الدكتور يوسف إدريس، "الذي ادعى في أكثر من مقابلة صحفية معه أن الصهيونية العالمية هي التي سعت لمنحي الجائزة، مكافأة لي علي موقفي المؤيد لاتفاقات كامب ديفيد ومشاهدة السلام المصرية- الإسرئيلية، وهذا الادعاء، كما هو واضح، غير منطقي بالمرة وعندي الأسباب. فالصهيونية العالمية التي تحدث عنها إدريس وغيره، أعطيناها – كمثقفين عرب – أكبر من حجمها، وجعلنا منها إلها قادرا علي كل شئ، وذهبنا إلي أنها هي التي تصنع التاريخ والحاضر والمستقبل، وتدير عجلة الكون... ويخطئ من يتصور أن الصهيونية العالمية هى التي تحرك أمريكا وتدير سياستها، لأن المواقف الأمريكية نابعة أصلًا من تحقيق المصالح الأمريكية، وهى مصالح تتفق حاليًا مع مصالح إسرائيل. وعندما تتغير تلك السياسة سوف تصبح إسرائيل مثل "مدغشقر" بلا قوة أو نفوذ.
وحتي تصبح "إسرائيل" مثل "مدغشقر" علي رأي عمنا نجيب محفوظ لن يحل السلام في المنطقة ولن يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية في وجود بايدن إذا استمر في الحكم ولا في وجود ترامب إذا فاز عليه في الانتخابات المقبلة.
هذا لا يعني أن الأمل مفقود، فوقائع حرب غزة تركت آثار عميقة في العالم أهمها برأيي هو تغير الشارع الأمريكي ومناهضته لإسرائيل ونقده للإدارة الأمريكية، والإدارة الأمريكية الحالية تشعر ان إسرائيل نقطة ضعهفها في الانتخابات المقبلة وربما تكون سبب هزيمتها بسبب تدني شعبية بايدن بين الشباب ولدي العرب والأفارقة، والمراكز البحثية الأمريكية تجمع علي أن علاقة اسرائيل بامريكة صارت علاقة سامة، هذا يعني أن قادم الأيام بعد عدة سنوات ليس في صالح كيان الإحتلال ولا في صالح اللوبي الصهيوني الأمريكي.