رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

مع كل زيارة لمول أو هايبر أو سوق تجارى تجد زحاما شديدا على شراء المواد الغذائية، البعض يندفع الى ذلك خوفا من زيادة الأسعار، وهو لا يدرى أنه كلما خزن طعاما فى بيته كلما استهلك أكثر وأنفق أكثر وفى النهاية سيدفع أضعاف ما يدفعه لو اشترى حاجته أولا بأول.

وللأسف لم تعد رزيلة السفه الانفاقى قاصرة على البالغين وكبار السن.. بل امتدت الى الأطفال والشباب، وتحولت من ظاهرة الى مشكلة فى كثير من الأسر؛ وفى ظل تزايد هذا الانفاق السفهى لدى الشباب تحديدا.. تؤكد دراسات وتقارير تراجع ثقافة الادخار بين الأجيال الجديدة، حيث لم نعد نهتم كثيرا بتوجيه أطفالنا وشبابنا الى الإنفاق المتوازن، الذى يلبى رغباتهم المعتدلة دون سفه.. كما لم نعد نهتم بتنمية ثقافة الادخار فى نفوسهم منذ الصغر.. ولذلك نرى سفها متزيدا يكبر وينتشر مع أعمارهم، ولا نستطيع أن نواجهه فى المستقبل خاصة عندما يكون هؤلاء مسؤولين عن قرارات اقتصادية أكبر وأهم.. ومن هنا تعددت تحذيرات الاقتصاديين والتربويين وغيرهم من ترك أطفالنا وشبابنا ينفق دون تدبر ووعى، وترك هؤلاء أيضا وهم يفتقدون ثقافة الإدخار.

**

تعاليم ديننا تؤكد ضرورة أن ننمى فى نفوس أولادنا منذ الصغر ثقافة التعامل مع المال بوعى وحكمة واعتدال، فلا نتركهم يتعاملون مع المال بسفه، ولا نشجعهم على اكتنازه، وعدم انفاقه فى أوجه الانفاق الشرعية، فالمال أمانة فى يد الإنسان، ومهما كثر مال الإنسان أو قل، عليه أن يحسن التعامل مع هذه الأمانة، فينفق حيث يكون الانفاق مطلوبا، ويدخر حينما يكون المال فائضا عن حاجاته، لأن الإدخار المرغوب شرعا هو ما يفيض عن حاجة الإنسان، فيحتفظ بهذا الفائض، وينميه من أجل المستقبل.

البعض يرفع شعار الإدخار، ويتعامل معه على أنه من الواجبات، وهذا خطأ، فالإنسان الذى لا يجد ما يفى بحاجاته الضرورية ليس مطلوبا منه أن يدخر، لأنه لا يجد أصلا ما ينفقه، ومثل هذا الإنسان علينا أن ننصحه بأن ينفق المال على حاجاته الأساسية، فإن فاض بعد ذلك شيىء إدخره.

والواقع أن ثقافة الاعتدال الانفاقى هى أهم ما نحتاج إليه جميعا فى ظل حالة التضخم التى تسيطر على معظم مجتمعات العالم، وهذه الثقافة لا يتحمل البيت وحده أعباءها، لأن وسائل الإعلام بما تقدمه من إعلانات، وبرامج تحض على السفه الإستهلاكى للصغار والكبار؛ تهدم ما يغرسه البيت من قيم تربوية اقتصاديه، ولذلك نحن فى أمس الحاجة الى سياسة إعلانية رشيده تعرف الجماهير بخصائص ومميزات السلع والخدمات، بأمانة وصدق وموضوعية، وتترك لهم اتخاذ قرارات الشراء والاستهلاك من عدمه، وفقا لظروفهم وأحوالهم الاقتصادية، ووفقا لحاجاتهم.

واجبنا أن نربى أولادنا على هدى تعاليم الدين فى الحياة كلها، وأن ننقل لهم من خلال البيت والمسجد والمدرسة والجامعة ما جاءت به شريعتنا الإسلامية من تعاليم وآداب وتوجيهات فى التعامل مع المال، حيث وضعت منهجا معتدلا لذلك، فالمال مال الله، والانسان مستخلف فى انفاقه أو ادخاره لقضاء حاجاته، وهذه الحاجات تبدأ بالضرورات الحياتية، ثم ينتقل الانفاق الى ما يحقق للإنسان رغباته المشروعة، وحاجاته فى حياة طيبة فى نطاق ما أباحه الله وأحله.

إن انتشار الاستدانة بين كثير من الناس هى فى الواقع ثمرة من ثمار السفه الإنفاقى الذى تحض عليه مختلف وسائل الإعلام والإعلان فى مجتمعاتنا، والإنسان لا ينبغى أن يستدين إلا لضرورة حياتية، وقد يستدين من أجل أن يوفر لنفسه ولمن يعول مقومات الحياة الضرورية؛ كأن يتاجر فى تجاره حلال، أو يقيم مشروعا انتاجيا يعود عليه وعلى آخرين بالنفع، وهذا مباح ومشروع، وعليه أن يقف عند حدود الحلال والحرام فى تجارته أو صناعته أو زراعته.. لكن أن يستدين الإنسان لشراء سيارة حديثة ومعه سيارة تقضى حاجته، فهذا ليس مرغوبا، ويدخل فى باب السفه الانفاقى من الناحية الشرعية، وعلينا جميعا أن نراجع أنفسنا قبل التورط فى ديون هى فى واقع الأمر هم بالليل ومذلة بالنهار.

**

نحن فى أمس الحاجة الى منهج الإسلام الرشيد فى التعامل مع المال- جمعا وانفاقا وادخارا- ذلك أن الثقافة الاقتصادية الإسلامية الواعية تضبط السلوك الاقتصادى للإنسان فى كل مراحل حياته، فهى تقوده الى منهج متوازن فى الانفاق أو الاستهلاك، كما تدفعه الى التعامل بوعى وتعقل مع نعمة المال، فلا يهدره فيما لا يعود عليه بالنفع، كما يفعل بعض السفهاء من مختلف الأعمار.

هذه التربية الاقتصادية الإسلامية هى التى تقود الإنسان الى السلوك الرشيد، وهذه التربية تشارك فى نشرها الأسرة بما لديها من مخزون دينى وثقافى وحياتى، كما تسهم مؤسسات التعليم من خلال مناهجها التربوية والتعليمية، وأيضا وسائل الإعلام المختلفة من خلال ما تقدمه من مواد ثقافية وتوجيهية وترفيهية وترويجية وغيرها.

هذا المنهج المعتدل فى الانفاق والادخار يجب أن يجد طريقه الى عقول أطفالنا وشبابا حتى نحميهم مما يدور حولهم من أنماط استهلاكية خاطئة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة