رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وأسود


[email protected]
الحكم الابتدائي لمحكمة العدل الدولية الذي طلبت فيه من إسرائيل، يوم الجمعة، "منع ومعاقبة التحريض على الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين"، بشأن الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا على إسرائيل وتتهمها فيها بارتكاب "إبادة جماعية" في قطاع غزة، تاريخي بكل ما تعني الكلمة.. التاريخ يحمل رسائل بطيئة تمتد لسنوات طويلة.. والحكم يحمل دلالات عميقة تضرب الكيان الصهيوني في الصميم لمدى زمني بعيد، معريًا كل الأكاذيب الإسرائيلية حول الديموقراطية والقانون وحتى حق الدفاع عن النفس.
حسب وصف الأديب والصحافي البريطاني جورج أورويل صاحب رائعة"1984" و "مزرعة الحيوانات" في مقال ساخر في مارس 1946 بعنوان "أمام أنفك": "جميعنا قادرون على تصديق الأشياء التي نعلم أنها غير صحيحة، وبعد ذلك، عندما يثبت خطؤنا أخيرًا، نقوم بتحريف الحقائق لإظهار أننا كنا على حق. من الناحية الفكرية، من الممكن الاستمرار في هذه العملية لفترة غير محددة: والفحص الوحيد لها هو أن الاعتقاد الخاطئ سيصطدم عاجلاً أم آجلاً بالواقع الصلب، ويحدث ذلك عادة في أرض المعركة".. وهذا هو ما حدث بالضبط بشأن كل ما يتعلق بالكيان الصهيوني، فمع الحدث الأول "طوفان الأقصى" للمقاومة الفلسطينية، الذي زلزل الاحتلال الإسرائيلي اكتشف الجميع أن الجيش الذي لا يقهر هو "قطيع من الدجاج" وقع أفراده ما بين الهزيمة والأسر والفرار، وتبينوا أن الجدار العازل أكوام من حجارة لا تصد ولا ترد، والقبة الحديدية لعبة تتهشم وتعطب تحت صواريخ المقاومة. كل المعتقدات التي رسختها إسرائيل بالكذب والتحايل وبقوة السلاح وبضغط الكفيل الأمريكي علي الشرق الأوسط علي مدى عقود، والتي أوقعت العديد من الدول العربية في خيوط التطبيع الواهية مثل "الجيش الذي لا يقهر" و"التكنولوجيا العسكرية التي لا تضاهى من الإنذار المبكر إلى ناقلات الجنود والميركافا" و"القوة السياسية التي تحدد رؤساء الدول جالبة الرضا الأمريكي" اصطدمت بواقع المقاومة الصلب وتحطمت تحت سلاحها البدائي في أرض المعركة.
قبل أسبوع واحد من عملية "طوفان الأقصى" كتب مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان قائلاً "إن منطقة الشرق الأوسط أصبحت اليوم أكثر هدوءاً مما كانت عليه خلال العقدين الماضيين".. ولم لا، فمشاريع التطبيع وصلت إلى الذروة والقضية الفلسطينية كانت توارت، وإسرائيل بالغت في الاعتداء على المقدسات ونهب وهدم البيوت وبناء المزيد من المستوطنات، كانت فلسطين بالكامل على حافة فم الكيان الصهيوني لالتهامها، لكن "طوفان الأقصى" قالت في رعدها وبرقها:" هذه أطغاث أحلام"! وتبين أن ما خطه المؤرخ الموسوعي والمفكر رشيد الخالدي في نهاية كتابه العظيم "حرب المئة عام على فلسطين قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة 1917 -2017"تحت فصل بعنوان :"الخلاصة قرن من الحرب على الفلسطينيين" هو الصواب بعينه حيث وصل رشيد الخالدي إلي أن"استمرار صمود المقاومة الفلسطينية أمام محاولات طردهم وسلبهم يشير إلى أن الحركة الصهيونية حسب وصف المؤرخ توني جوت Tony Gudt "وَصَلَتْ مُتأخِّرة" لأنها "استقدمت مشروعًا انفصاليًا نموذجيًا من القرن التاسع عشر إلى عالم قد تطور وتأخر".
فاق من فاق من الأكاذيب والاعتقادات الخاطئة، وقلة يمثلون المطبعين مع كيان الاحتلال لا يزالون يحرفون ما حدث، وبكل وقاحة يدافعون عن إسرائيل وينهشون في المقاومة ما بين برامج التوك شو وما بين التواصل الاجتماعي.. وفاق من فاق من الدول أمام غضب الشعوب الحرة تجاه الإبادة الإسرائيلية التي تمارسها ضد الفلسطينيين لكنه العجز وقلة الحيلة التي شلت الجميع أمام إسرائيل وشركائها الأقوياء: أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا.. وهنا ظهرت جنوب أفريقيا التي اكتوت بنيران العنصرية والإبادة والتمييز لتقول كلمتها وتلعب بطولة الحدث الثاني الفارق منذ السابع من أكتوبر 2023.. طوفان الأقصى وما تلاه من اجتياح غزة أسقط العسكرية الإسرائيلية في الوحل، ونال من شرفها، وقضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية وما تلاها من أوامر للمحكمة وجهتها لإسرائيل أزالت القناع الأخلاقي والقانوني للكيان الصهيوني.
ومثلما مثل "طوفان الأقصى" صدمة لأمريكا جعلها تسارع بفتح خزائن أسلحتها لتل أبيب، ودفع قادتها المجرمين لزيارتها وإلقاء تصريحات مستفزة يعلنون فيها عن ولائهم وصهيونيتهم، مثلما مثل قرار محكمة العدل لطمة لأمريكا جعلتها تشعر بالورطة القانونية في استمرار مساعدة إسرائيل وهو ما دفعها إلى محاولة التحايل علي قرار المحكمة ورد صفعة جنوب أفريقيا عبر تعليق مساعداتها المالية لوكالة الأونروا بزعم أن عددًا من أفرادها شاركوا في عملية طوفان الأقصى، بهدف الضغط على الفلسطينيين، وأهمية الأونروا أنها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى. وهي وكالة فريدة من نوعها، حيث تأسست في أعقاب حرب عام ١٩٤٨ ، بموجب القرار رقم 302 (رابعا) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1949 بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين. وبدأت الوكالة عملياتها في الأول من شهر أيار عام 195 لتقديم خدمات لأكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني ما بين الأراضي المحتلة ولبنان وسوريا ولبنان. وفي غياب حل لمسألة لاجئي فلسطين، عملت الجمعية العامة وبشكل متكرر على تجديد ولاية الأونروا إلي الآن.. ووقف المساعدات المالية الأمريكية للأونروا ومعها المساعدات الألمانية والفرنسية والإيطالية يعني شل كل خدماتها للفلسطينيين من الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والإغاثة وحتى وصول المساعدات العاجلة في قلب هذه الحرب.
اللعبة الأمريكية القذرة بشل الأونروا وحرمان الفلسطينيين المهجرين والمحاصرين من المساعدات تعني مزيد القتل ومزيد من المعاناة، وهو أمر ليس جديدًا على الإدارة الأمريكية ففي عام 2011 أدارت حملة دبلوماسية في الأمم المتحدة لإفشال جلسة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر التي خططت لها السلطة الفلسطينية لدعوة دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين.. وقتها شعرت إسرائيل بالخطر، وبحسب وصف نعوم تشومسكي في كتابه "صناعة المستقبل: الاحتلال، التداخلات، الإمبراطورية والمقاومة" تعاملت إسرائيل وأمريكا قبل أشهر من جلسة الأمم المتحدة بقلق بالغ. ففي مارس 2011 حذر وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك من الجلسة المحتملة وشبهها، بـ"التسونامي"، وكان الخوف في أن يدين العالم إسرائيل ليس بسبب انتهاكها القانون الدولي فحسب، ولكن لمواصلة أعمالها الجرمية في دولة محتلة تعترف بها الأمم المتحدة".. لكن الخوف الأكبر عبر عنه تحذير دان جيلرمان، السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة، للمشاركين قائلًا:"في الصباح الذي يلي الإعلان المتوقع بالاعتراف بدولة فلسطين، ستبدأ إسرائيل بالتحول إلي جنوب أفريقيا الثانية بشكل مؤلم ومأساوي". أي أنها حسب تعليق تشومسكي "ستصبح دولة منبوذة خاضعة لعقوبات دولية.. لذلك قبل الجلسة بأربعة أشهر أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي قرارًا يهدد بوقف المساعدات المرسلة غلي السلطة الفلسطينية إذا بقيت متمسكة بمبادرة الأمم المتحدة. وهددت سوزان رايس، سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة من أن "ما من تهديد" يخص تمويل الولايات المتحدة للأمم المتحدة "أعظم من أن يقر أعضاؤها قيام دولة فلسطين".
الآن العالم العربي والإسلامي مطالب برد الصفعة لأمريكا واسرائيل وشركائها عبر دعم الأونوروا بالمساعدات المالية لمواصة مهامها الإنسانية في غزة وسط هذه الحرب المستمرة.. فهل يفعلها العرب والمسلمون؟!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة