دخلت أزمة مضيق باب المندب والبحر الأحمر شهرها الثالث منذ أن استولى الحوثيين في اليمن على سفينة شحن مملوكة لبريطانيا في جنوب البحر الأحمر في التاسع عشر من نوفمبر 2023، وحتى الآن لا تبدو الأزمة في طريقها للحل ، بل انها اقرب للتدحرج الى مشكلة تضاف الى سلسلة المشاكل والتعقيدات الناجمه عن هجوم يوم السابع من أكتوبر على إسرائيل.
وبرغم الخطورة السياسية والاقتصادية من استمرار الازمة التي تؤثر على التجارة العالمية وتقترب بها الى تداعيات مشابهة لتلك الناجمة عن انتشار وباء كوفيد 19 الذى أدى الى اغلاق غير مسبوق تراجع كبير في معدلات التجارة خاصة فيما يتعلق بأشباه الموصلات ، فان العديد من القوى الدولية والإقليمية قررت التعامل مع الكارثة بمنطق المرابى شيلوك في رواية تاجر البندقية للكاتب الانجليزى الشهير ويليام شكسبير، البعض منهم استغلها في ترسيخ وجوده العسكرى في البحر الأحمر مثل الولايات المتحدة الأميركية ، والبعض الاخر استغلها لإيجاد موطئ قدم له داخل هذا الممر الحيوى الذى يمر من خلاله 40% من حجم النفط الى الغرب والولايات المتحدة واكثر من 30% من حجم التجارة العالمية والاشارة هنا الى ايران وفرنسا وانجلترا والصين وغيرهم من قوى التحالف الذى شكلته واشنطن لما يقال انه لامن الممر المائي.
وعلى طريقة ذر الرماد في العيون، شنت القوات الامريكية والبريطانية سلسة هجمات ضد اهداف عسكرية تابعة للحوثيين في بعض المدن اليمنية، والجميع سواء من قامت بالهجمات او من تعرض لها يعلم يقينا انها استعراضا عسكريا لا يثمن ويغنى من جوع، لان هذه الضربات تكتيكية لن تغير في ميزان القوى ولن تسلب الحوثيين قدرتهم على تهديد الملاحة، وتاريخيا نحن على يقين بان الحوثيين هم ادرى بشعاب اليمن المعقد جغرافيا وقبليا، بل يمكن ان تصبح تلك الضربات مبررا للتصعيد من جانب تلك الجماعة المدعومة من ايران لتوسيع دائرة الصراع واستهداف السفن وقرصنتها التجارية وغير التجارية واى كانت ملكيتها ووجهتها. وفى تلك الحالة سيكون من المستحيل بما تمتلكه الدول من اساطيل واسلحة قرب باب المندب حسم مصير التصعيد عسكريا. الحوثيين يمكنهم بالفعل تهديد السلم والأمن القومي الإقليمي والدولي في البحر الأحمر وخليج عدن، لامتلاكهم ترسانة عسكرية تشمل صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة هجومية وقارب ، وفوق هذا ليس لديهم ما يخسروه او يخشوه. والخبراء العسكريون يؤكدون ان الأنظمة التي يستخدمها الحوثيون صغيرة جدا ومتحركة كثيرا، لذا من السهل توزيعها في كافة أنحاء البلاد بما يصعب استهدافها.
لذا فالضربات الغربية يمكن أن تدمر جزءا من قدراتهم العسكرية، لكنها لن تقضي عليها، فهم تعلّموا على مدى سنوات الصراع هناك من تجنب الضربات وإخفاء ترسانتهم من خلال الاستفادة من الجغرافيا الصعبة.
وعلى طريقة حزب الله في لبنان ، تقود جماعة الحوثى صراعها الجديد في محاولة منها لكسب شرعيتها الخاصة ليس بعيدا عن داعميها ومموليها ولكن بالتنسيق والتراضى لتطوير قائمة خدماتهم لهما.. وحتى لو طالت الضربات الامريكية والغربية قيادات حوثية نافذة ومؤثرة فأنها لن تكون حاسمة لان صنع واتخاذ القرارات المصيرية لا يتم داخل جبال ودروب اليمن، لكنه يتم من هناك بواسطة الملالي.
وتكرارا لنفس السيناريو الحاصل في لبنان، فبدلا من دعم الحكومة الشرعية في بيروت والجيش الوطنى يتم عقد صفقات مؤقته مع حزب الله كحل سريع وعاجل لانهاء ازمة آنية واحدة تلو الأخرى بما صب في النهاية لدعم الحزب وتقوية شوكته، بل اصبح هو الرقم الأهم في استقرار لبنان.. وهذا تماما ما يتم حاليا في اليمن.. فبدلا من مواجهة عسكرية غير محسومة مع الميليشيات الحوثية كان من الأجدى للدول صاحبة الاساطيل عن باب المندب ان تقدم كل الدعم الممكن للحكومة اليمنية لتتولى تحرير محافظة الحديدة وإسقاط اتفاق ستوكهولم الذي بات يمثل غطاء لتهديد حرية الملاحة العالمية. واخطر ما تسببه تلك الضربات غير المجدية هو تدمير خارطة الطريق الأممية ومسار السلام في اليمن بشكل عام الذى كان يعول عليه لعودة الاستقرار إلى البلاد.
الشاهد.. ان ما يحدث عند باب المندب ليس له علاقة مباشرة باحداث غزة، لكنه مجرد ذريعة لتكرار سيناريو حزب الله في لبنان ، ولكن هذه المرة بالحوثيين في اليمن، لذلك كان هناك توحيد في المواقف بين مصر والسعودية اللتان رفضتا الانخراط في التحالف الذى شكلته واشنطن تحت اسم " حارس الازدهار" بالرغم من انهما من اكثر البلدان المتضررة من هجمات الحوثيين، الا انهما يعتبران ان هناك استغلال مشبوه من جانب بعض الدول لعسكرة مياه البحر الأحمر، وهذا ما جعل دولة مثل فرنسا التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع القاهرة والرياض ترفض ان تكون قواتها هناك تابعة لعملية "حارس الازدهار" وان يقتصر دورها على حماية قوافل التجارية فقط، فهي لا تريد ان تتورط في صراع إقليمي مصطنع… ويبقي الامل في إعادة قراءة المشهد بعيدا عما يسوقه البعض لاهداف مشبوهة ترفع راية الحق المتمثل القضية الفلسطينية.