طيب القول
شَرُفْتُ مَطْلَع هذا الأسبوع بتلبيّة دعوة معالى المستشار طارق عبدالجواد شِبْل- نائب رئيس المحكمة الدستوريّة العُليا، المتحدّث الرسمى بإسمها- لحضور المؤتمر الصحفى "قضاء المحكمة الدستورية العُليا في ضوء المُستحدَث من أحكام دستور ٢٠١٤"، تزامُنًا مع مرور 10 أعوام على صدور دستور 2014، بحضور كبار قُضاة مصر وحُكمائها وواضعى دستورها فى 2014 أعضاء لجنتىّ العَشَرَة والخمسين، وقد أفاضَ معالى المستشار د. بولس فهمى اسكندر- رئيس المحكمة الدستورية العُليا- فى الحديث عن التزام المحكمةِ في قضائِها، بالدستور الذى تَتَخذُهُ نِبراسًا لأحكامِها، وتَعمَلُ على إِدراكِ التوازنِ بينَ نصوصِه، لتحقّقَ بذلكَ وحدةً عضويةً متماسكةً بينَ أحكامِهِ؛ فحقوقُ وحرياتُ المواطنينَ تلتئمُ معَ واجباتهِم العامةِ، وهُويةِ الدولةِ المصريةِ بُمقوّماتِها الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ، يعملُ على توكيدِها نظامُ الحُكمِ بسُلْطَاتِه الثلاثِ، والقوَّاتُ المسلّحةُ والشُرطةُ والمجالسُ القوميةُ والهيئاتُ المستقلّةُ والأجهزةُ الرقابيةُ تباشرُ اختصاصاتِها التي كَفَلَهَا الدستورُ، منضبطةً في ممارستِها بالحدودِ التي انتظمَها بابُ سيادةِ القانونِ.
مُشيدا بِحِرِصِ القيادةِ السياسيةِ وَوَعِيها بأهميةِ إعلاءِ القيمِ الدستوريةِ، وتعميقِ مبادئِ الدولةِ القانونيةِ، ودعمِها لإعلامِ الداخلِ والخارجِ، باستواءِ الدولةِ المصريةِ على مدارجِ الشرعيةِ الدستوريةِ، مُستعرضا ما استخلصَتْه المحكمةُ منْ الأحكام الدستوريةٍ المُستحدَثةٍ من عدّة مبادئ، أعْمَلَتْها علىٰ الدعاوَىٰ والطلباتِ المعروضةِ عليها، وعرض منها عشرينَ مبدأً فى غاية الأهميّة على رأسها: الفصلُ بينَ سُلطاتِ الدولةِ. المساواة بين المرأة والرجل وحقُ المواطنينَ في شغلِ الوظائفِ العامةِ علَى أساسِ الكفاءةِ دون مُحاباةٍ. تكريمُ شهداءِ الوطنِ.
والحقُّ يُقال أنّ هذه المبادئ- وبَقِيَّتُها- شهدت تطبيقا عمليّا على أرض الواقع فى حياتنا المعاصرة مؤخّرا، بعد حِرص القيادة السياسيّة على إعلاء القيم الدستوريّة واحترامها لأحكام الدستور والقانون، لكن يبقى الجانب الأهم- من وجهة نظرى- وهو نشر وترسيخ المفاهيم الصحيحة والوعى بما تُؤَّلُ إليه وتُفسِّره تلك القيم والمبادئ الدستورية، مثل القيم والمبادئ الدينية تماما، فكلاهما يحتاج لـ"وعى" و"فهم" من تُطَبَّق عليه هذه القيم والمبادئ، خاصة فيما يتعلّق بمسألة المساواة بين الرجل والمرأة أو الكفاءة أو حتى الأمور القضائية والسياسية.
وهنا يأتى الدور المهم والمُكمِّل من قِبل المؤسسة الدينية ومنظّمات المجتمع المدنى المختصّة، لبيان وتوضيح بل نشر هذه القيم فيما بين الناس، خاصة العوام منهم، لأنهم القاعدة العريضة التى تُطبَّق عليها تلك القيم والمبادئ، سواء الدينية أو الدستورية والقانونية، فبدون توضيح المفاهيم وتوسيع مدارِك وآفاق هؤلاء المُستهدَفين، تظلّ القيم والمبادئ، أهدافا سامية فى "بُرجٍ عاجىٍّ عالٍ" تحتاج لإنزالها على أرض الواقع، حتى يشعر بها الناس ويعيشونها ويُطبِّقونها فى حياتهم.
ولعلَّه ليس من المصادَفة وجود فضيلة د. شوقى علام- مفتى الجمهورية- خلال هذا المحفل القضائى، باعتباره المسئول الأول عن توضيح وتفسير وبيان القيم والمبادئ الدينية، والسعى لإنزالها وتطبيقها على واقع الناس، بتحقيق المواءمة فيما بين وقائع الحياة البشرية، وما جاءت به القيم السماوية، لإسعاد الإنسانية.
وفى غمار احتفالنا بمرور الأعوام العَشر على دستورنا الذى وضع لَبِنَات "الجمهورية الجديدة"، لا يسعنا إلا الفخر والاعتزاز بصرح العدالة القضائية، وبكلّ مؤسّساتنا العريقة التى "تحيا مصر" بها دائما وأبدا.