رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

تفصلنا أيام عن معرض القاهرة الدولى للكتاب، ذلك الحدث الثقافى الحضارى الذى كلما تجددت فعالياته تجدد معها سؤال محوري: هل نحن أمة تقرأ.. وهل نقرأ بمعدلات تبنى الوعى وتحيى الثقافة وتصنع النهضة المأمولة..وماذا يقرأ شبابنا وأطفالنا.. وما تأثير وسائل التواصل الاجتماعى على معدلات القرائية لديهم..هل نحسن توظيف التكنولوجيا فائقة التطور لاكتساب المهارات المعرفية التى تواكب العصر وتحافظ على الهوية؟!
لا يجادل أحد أن للقراءة ثمرات لا غنى عنها لأى أمة تبحث لنفسها عن موضع قدم على خريطة العالم المتقدم..فالمعرفة قوة .. وهنا تحضرنى مقولة أثيرة لأشهر جراح للدماغ فى العالم؛ وهو «بن كارسون» يقول فيها :»إن نقطة التحول فى حياتى كانت يوم أغلقت أمى التفاز وأجبرتنى على القراءة «..تلك حقيقة مهمة نعلمها يقينًا لكننا لا نعمل بها ولا نلتفت لأهميتها؛ نعلمها يقيناً بقول الله عز وجل فى أولى آيات القرآن مخاطبًا نبيه الكريم «اقرأ باسم ربك الذى خلق» ..كما تدلنا على تلك الحقيقة ما نعيشه من واقع وما تخبرنا به تجارب ملهمة عشناها وعاشها غيرنا، تجارب يحفل بها تراثنا وتاريخنا الذى كان أكثر إشراقًا واستنارة وقد ساد الدنيا وتصدر العالم كله، حين كانت مكافأة من يترجم كتاباً عن لغة غير العربية أن ينال بوزنه ذهبًا خالصًا كما فعل الخليفة العظيم هارون الرشيد الذى دانت له الدنيا، ولا يعرف أغلب أجيالنا الحاضرة عنه إلا ما تطالعنا به مسلسلات وقصص ألف ليلة وليلة من الترف والسمر؛ رغم أن الرجل كان يغزو عامًا ويحج عامًا..لكنها الدراما وصناعها الذين أغرقونا فى الترف والخيال بقدر ما صرفونا عن العلم والإنجاز.
ومن واقع ما تيسر لى من إحصائيات عن معدلات القراءة فى عالمنا العربى فنحن أمام مشهدين كلاهما على طرفى نقيض، فبينما تطالعنا «سكاى نيوز عربية» بمؤشر إيجابى على موقعها الإلكترونى يقول إن «تقرير التنمية البشرية» الصادر عن اليونسكو عام 2003، أوضح أن كل 80 مواطنا عربيا يقومون بقراءة كتاب واحد فى السنة، فى حين يقرأ المواطن الأوروبى نحو 35 كتابا..لكن، بحسب أحدث بيانات «NOP World Culture Score Index» حول المؤشر العالمى للإنجاز الثقافي، والصادر مطلع العام 2021 عن شركة Statista الألمانية المتخصصة فى بيانات السوق والمستهلكين، بالاشتراك مع صحيفة «إندبندنت» البريطانية، فقد دخلت مصر والمملكة العربية السعودية ضمن الدول الأكثر قراءة عالميا، حيث احتلت الأولى المرتبة الخامسة بين دول العالم الأكثر قراءة، بمعدل 7:30 ساعات أسبوعيا، فيما جاءت الأخيرة فى المرتبة 11 عالميا، بمعدل 6:46 ساعات أسبوعيا.
ومن المفارقات المدهشة أن الهند جاءت فى المركز الأول عالميا، وهو ما يفسر لنا لماذا لا تزال الصحف الورقية فى الهند توزع مئات الملايين من النسخ ولا يزال المواطن الهندى يحرص على الاشتراك فى تلك المطبوعات التى تصل إليه حيث يكون ..أما المركز الثانى فقد احتلته تايلاند، وجاءت الصين ثالثة..أما المفارقة الأكثر إدهاشاً فتمثلت فى احتلال الولايات المتحدة المرتبة 23 عالميًا، بمعدل 5:42أسبوعيا، بحسب التقرير.
مثل هذه الأرقام عن المقروئية فى عالمنا العربى تبدو متفائلة وإيجابية إلى حد بعيد على عكس ما كنا نعتقده حتى وقت قريب؛ فقد شاع منذ فترة ليست قليلة أن المواطن العربى هو الأقل قراءة عالميا، وهو ما دعمته إحصاءات وتقارير دولية وجرى تداوله بصورة متواترة فى الأوساط الثقافية؛ حتى سادت للأسف انطباعات تشير إلى التدنى الشديد لقراءة العرب، وقد ساعد على رواجها أنها صدرت من مثقفين لهم شهرة فى الوسط الثقافى ما جعل أوهامهم أكثر انتشارًا وموثوقية بصرف النظر عن دوافعهم أو حسن نياتهم أو تحسرّهم على نِسب القراءة المتدنية.
فقد اعتمد بعض هؤلاء على ما ورد فى «تقرير التنمية البشرية»، الذى نشرته اليونيسكو عام 2003، بأن المواطن العربى يقرأ فى السنة أقل من كتاب بكثير، فكل 80 شخصاً عربياً يقرءون كتاباً واحداً فى السنة» بينما اعتمد نفر منهم على «تقرير التنمية الثقافية» لعام 2011 الصادر عن «مؤسسة الفكر العربي» الذى ذهب إلى أن العربى يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً بينما يقرأ الأوروبى بمعدّل 200 ساعة سنوياً».
ولعل مثل هذه الإحصائيات على تقادمها لا تقدم صورة حقيقية عن واقع القراءة فى العالم العربي، وربما تغيرت المعطيات فى السنوات العشر الأخيرة، ومن ثم تغيرت معها النتائج على أرض الواقع..وظنى أن مثل تلك الأرقام تغيرت فعلياً، وهو ما دفع بعض المختصين للرد عليها استنادًا لمؤشر القراءة العربى فى 2016، وهو دراسة رصينة محكّمة شارك فيها أكثر من 145 ألف مواطن من جميع الوطن العربي، وتوصلت إلى أن متوسط قراءة المواطن العربى هو 16 كتابًا فى السنة.
ويبدو لى أن مثل هذا التقرير ينطوى على معطيات أكثر واقعية؛ ذلك أنه استند إلى عدد الكتب المقروءة سنويًا، وعدد ساعات القراءة، واتجاهات القراءة، وإتاحتها، وغيرها من المعلومات المهمة عن القراءة..وهو ما يشجعنى على مطالبة وزارتى «التعليم العالي» و»التربية والتعليم» وتحديدًا توجيه المكتبات بالمديريات التعليمية أن يرصدوا لنا من واقع سجلات المكتبات: كما كتابًا يقرؤه طلاب الصفوف والمراحل الدراسية المختلفة، وكم ساعة يقرءون فى اليوم، وما نوعية الكتب التى يقبلون عليها ويرغبون فى مطالعتها، وهل هناك وسيلة لقياس مدى استيعابهم لما يقرءون.. فالقراءة شيء والفهم شيء آخر..لنخرج بمؤشر أكثر واقعية وأعمق دلالة عن واقع الثقافة فى مصر لدحض خرافة الست دقائق التى جرى الترويج لها عن معدلات القراءة فى عالمنا العربي.
وبنظرة سريعة على عدد المشاهدات فى قنوات يوتيوب الخاصة بمراجعة الكتب، أو عدد الزوار فى معارض الكتاب فى الرياض أو القاهرة أو المغرب العربى .. وبنظرة فاحصة على عدد الاستماعات للكتب الصوتية (لدينا 23 شركة عربية للكتب الصوتية)..كلها مؤشرات تعطي- كما يقول «سفر عياد»- دليلًا واضحًا على أن الأمة العربية تقرأ والأرقام أكثر من الدراسات التى ظهرت.. ربما ليس هناك دراسة حقيقية حتى الآن .. لكن من سيبحث سيجد أرقامًا ويمكنه تحليل البيانات والخروج بإحصائيات حقيقية تمثل واقعنا الحقيقي.
فى الأخير، نود أن يتغيّر الانطباع السائد بالتدنى غير الصحيح للقراءة فى الوطن العربى وإبداله بالتقارير الأدق، والبناء عليها فى تحسين كمية وجودة القراءة عمومًا، بدلًا من الاستناد على الأوهام...»

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة