من الألف إلى الياء
وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم وعلي خلفية المواقف المصرية القوية الحازمة تجاه محاولات تصفية القضية الفلسطينية هناك قلة من المرجفين ،اعتادوا الصيد في الماء العكر والتفنن في صناعة أزمات ،يدركون جيدا خطورة أبعادها السياسية والاقتصادية والإنسانية.
وفي وقت نحن أحوج فيه للتكاتف والإصطفاف والتوحد، هناك محاولات خبيثة تتعهدها بعض الأذرع والخلايا الإعلامية هدفها إثارة الفتنة بين الأشقاء العرب وتسميم الأجواء وتعطيل مساعي التقارب والتآلف بين الشعوب العربية.
وفي هذا السياق المؤسف ظهرت مؤخرا صحيفة المقاطعة الخبيثة للأشقاء السوريين في مصر وقد سرت الدعوات كالنار في الهشيم لمقاطعة المنتجات والمحلات والمطاعم السورية في مصر، ورفض التعامل معهم.
وطالب بعض هؤلاء المغرضين بإبرام بنود لصحيفة المقاطعة الآثمة ،لكن وعي ويقظة أهل الكنانة حالت سريعا دون انتشار هذه الفتنة التي انطلقت غالبيتها من حسابات مجهولة، مع إعادة تداول أخبار ومقاطع فيديو قديمة عن إغلاق مطاعم سورية؛ بسبب وجود أغذية فاسدة داخلها.
وبينما استند الداعون لمقاطعة المنتجات السورية إلى اقتصار العمل بالمحلات السورية على السوريين فقط، وعدم قبول مصريين للعمل بها، طالب رافضون لهذه الدعوات بعدم التفرقة بين المحلات السورية والمصرية ،فالكل يجمعهم وطن واحد ومصير واحد.
كما انتقد عدد كبير من من المغردين ،ورواد شبكات التواصل هذه
الدعوات المغرضة، والتي تنطلق بين الحين والآخر متهمين مروجيها بأن تصرفاتهم تأتي مدفوعة بمقابل ولها أهداف سياسية خبيثة من أطراف ليست لديها رغبة في وجود استقرار بالداخل المصري، وكذلك من بعض الأطراف التي تحاول التأثير في النشاط الاقتصادي للسوريين في مصر؛ لتحقيق مكاسب ومنافع اخري،والإضرار بما حققوه من نجاحات في مختلف تجارتهم، أو رغبة البعض في تحميلهم مسؤولية بعض الأزمات التي سببتها تداعيات الظروف الدولية المتشابكة وتأثيراتها السلبية علي الغذاء والطاقة وتكلفة والإنتاج.
وقد جاءت ردود أفعال المصريين بصورة عملية
فقد شهدت المطاعم السورية إقبالاً لافتاً من الزبائن المصريين وفقا لما رصدته بعض المواقع الإخبارية المعتدلة ، وأكد ابناء المحروسة أن الاستثمارات السورية في مصر تعتمد اعتمادا كليا علي المنتجات المصرية ووفرت فرص عمل متنوعة، وأسهمت في دعم مردودات الاقتصادي الموازي ،ومن ثم فدعوات المقاطعة غير مقبولة وغير منطقية ،ومحاولة لافتعال أزمة بلا مبرر أو فائدة، اللهم إلا خدمة هؤلاء المرجفين.
ووفقا للأرقام المعلنة تستضيف مصر أكثر من 1.5 مليون سوري، وفق تصريحات أدلى بها
اللواء خيرت بركات رئيس جهاز التعبئة والإحصاء مطلع العام الماضي، في حين يقدر عدد الأجانب في مصر بنحو 9 ملايين شخص غالبيتهم من السودانيين والسوريين واليمنيين، وفق الإحصاءات الرسمية،علاوة علي مئات الآلاف من زوارها بغرض التنزه والسياحة والدراسة والعلاج،أو لحضور المؤتمرات والفعاليات الثقافية والعلمية.
ولا يختلف اثنان من المنصفين أن مصر تكاد تكون البلد الأوحد في منطقة الشرق الأوسط وربما في العالم ،في قضية التعامل الأمثل مع ملف اللاجئين، من حيث دمجهم مع المجتمع ،وتقديم كافة سبل الراحة والأمان ،من قبل الأوساط الرسمية والشعبية ،إضافة إلي تمتعهم بالعديد من الامتيازات رغم استضافتها لهذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين من مختلف أنحاء العالم وبصفة خاصة الدول العربية.
ومن قبيل رصد الحقائق التي يحاول البعض التشكيك فيها ،وبلا "من أو أذي" ،فضيوف مصر يتمتعون بتسهيلات عديدة ، ويكفي أن الحكومة لا تفرق بين المصريين وضيوفها وخاصة من العرب في حقوق الإقامة والتنقل والتملك وممارسة كافة الأنشطة ويسري عليهم غالبية القوانين واللوائح والتشريعات التي تسري علي المصريين.
وليس هناك أية معسكرات تجمع هؤلاء، وتحول دون ممارسة حريتهم، فقد ذاب معظمم في مختلف محافظات مصر وأقاموا مشروعات إنتاجية متميزة ، وأسهم البعض منهم في تحريك دفة الاستثمار بإنشاء مصانع وورش عمل ومنافذ توزيع وغيرها من مختلفة الأنشطة التجارية والصناعية.
والحق يقال أيضا ،ورغم أنف المرجفين أن أرض الكنانة المحروسة بعناية الله لم تتاجر يوما بقضية اللاجئين ولم تتخذها ورقة سياسية لجلب أية منفعة سواء بالضغط علي دولهم أو طلب مساعدات مالية من الأمم المتحدة ومنظماتها، كما فعلت دولة مثل تركيا من قبل حين هددت دولا أوربية بفتح الحدود ،وتصدير مشكلات اللاجئين من السوريين وغيرهم إلي أوروبا !.
وعلي العكس تماما تسعي الحكومة المصرية لتهيئة الأجواء الملائمة لإقامة هؤلاء وطلبت مؤخرا دون تعسف أو اتخاذ قرارات حادة ضرورة توفيق أوضاع ضيوف مصر من مختلف الدول.
والغريب أن دعوات المقاطعة الآثمة تزامنت مع بدء اجراءات الحكومة ممثلة في الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية بوزارة الداخلية العمل على توفيق الأوضاع وإثبات الإقامة، والاستجابة لطلبات الراغبين في الحصول على إذن السفر ،وذلك اعتبارا من أول يناير 2024.
كما أهابت الإدارة بكل الأجانب المتقدمين الحصول على إقامة للسياحة أو غير السياحة بتقديم إيصال يفيد بتحويلهم ما يعادل رسوم الإقامة، أو غرامات التخلف، أو تكاليف إصدار بطاقة الإقامة بالدولار، أو ما يعادله من عملات حرة من أحد البنوك، أو شركات الصرافة المعتمدة.
وأكدت إدارة الجوازات أنه يتعين على الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير شرعية سرعة توفيق أوضاعهم وتقنين إقامتهم، بشرط وجود مستضيف مصري، مقابل سداد المصروفات الإدارية المحددة لذلك.
وفي هذا السياق عقد د.مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعا خلال الأيام الأخيرة لمتابعة ما تتحمله الدولة المصرية من مساهمات لرعاية ضيوفها من مختلف الجنسيات، بحضور عدد من الوزراء، مؤكدا أهمية تدقيق ومراجعة هذه الأعداد، وفى الوقت نفسه حصر وتجميع ما تتحمله الدولة مقابل ما يتم تقديمه من خدمات في مختلف القطاعات لضيوف مصر، الذين يحصلون عليها على أفضل وجه، مثلهم مثل المصريين، مشددا على ضرورة توثيق مختلف جهود الدولة لرعاية هذه الملايين.
كما سمحت الحكومة للسوريين الموجودين في مصر وبعض الجنسيات العربية الأخري شراء بعض الممتلكات، من شقق وعقارات وغيرها ،أو الدخول في شركات مع مصريين في بعض المشروعات الخدمية والتنموية.
والخلاصة أن سياسة مصر وشعبها في التعامل مع ملف المهاجرين ليست قائمة على التهديد، أو الوعيد أوالاستغلال بل علي الترحيب والشراكة والتآخي ،وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ستظل أرض الكنانة الملاذ الآمن لكل من يلجأ إليها فارا ،أوزائرا أو طالبا للعلم أو للسياحة أو للعلاج، وصدق الله العظيم:
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ )"99 س يوسف.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.