رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

وبينما كان مجلس مدينة غرناطة يستعد للاحتفال السنوى بذكرى سقوط غرناطة وتسليم الأمير محمد الثانى عشر مفاتيح المدينة للاسبان فى الثانى من يناير..كانت أروقة كلية الآداب بجامعة حلوان تشهد مناقشة واحدة من الرسائل العلمية المهمة باللغة الإنجليزية حول سقوط غرناطة..وهى الرسالة التى حصلت بها الباحثة الجادة والمجتهدة -بتعبير المحكمين- نهى المليجى على درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى ..
دفعنى الموضوع الى الحرص على حضور المناقشات والنفس مشحونة بمشاعر الالم والحزن الشديدين للحرب الطاحنة على غزة وهى حرب إبادة وتطهير عرقى حقيقى فاقت ما يسمونه الهولوكوست ومحارق النازية. كان حديث النكبات طاغيا وما أصاب المسلمين قديما وحديثا يهيمن على الفكر.. نكبة فى الأندلس ونكبة فى فلسطين فى العام 1948..وإصرار على تكرار النكبة مع الحاح صهيونى غريب ووصلت الوقاحة إلى إعلان ذلك صراحة أنهم يريدون نكبة ثانية للفلسطينيين..وهذه المرة بإذن الله لن ينالوا غرضهم وبفضل الوعى المبكر للخطة الخبيثة والصمود الاسطورى للمقاومة على مدى ثلاثة أشهر حتى الآن.
من المفارقات أن الطريق الى الأندلس وما تحقق من حضارة زاهية كان لها فضلها وتأثيرها الكبير على أوروبا والعالم وظل إشعاع الحضارة الإسلامية هناك متوهجا على مدى ثمانية قرون..كانت بدايات الطريق مع واحد من المجاهدين والقادة الكبار من أبناء فلسطين الفاتح العظيم موسى بن نصيروهو من إحدى قرى الخليل بشمال فلسطين (كفر متري) وكان والده قائدا لحرس معاوية بن أبى سفيان ومن كبار معاونيه..وكان بن نصير حاكما على مصر مع بداية عهد الدولة الأموية..
سقوط غرناطة واقعة أو قل مصيبة كانت ولاتزال وستظل ملهمة للجميع فى أقطار الأرض شرقها وغربها على السواء من يحبون الاسلام ومن يكرهون المسلمين من يوالون الغرب ومن ينظرون إليه بعين الريبة والشك بل والاتهام ايضا .. ولذلك لم يكن غريبا أن نجد العديد من الأعمال الإبداعية شعرا ونثرا مسرحا ورواية تستلهم التجربة وروحها وتنبش فى اضابيرها وتحوم حول تخومها ملتمسة الدرس والعبرة واى عبرة..
ولعل هذه الجوانب كانت من المحاور الرئيسية التى حاولت الباحثة نهى مصطفى المليجى أن تتلمسها من خلال تقديم قراءة لأربعة من الروايات التاريخية حول سقوط غرناطة وهي: «غرناطة» (2016) للكاتب الكسندر جريس، و»يد فاطمة» (2011) للكاتب إلفونسوفالكونز،و «غرناطة» (2003) للكاتبة رضوى عاشور، و»ظلال شجرة الرمان» (1992) للكاتب طارق علي.
توضح الرسالة وجود روايات مختلفة لنفس الحدث التاريخى من خلال رؤية اثنين من الروائيين الغربيين واثنين من الروائيين غير الغربيين على التوازى مع قراءة لكتب تاريخية أخرى عن سقوط غرناطة تقدم وجهات نظر متعددة.
كما توضح كيف تمكّن كتاب الروايات الأربع وهم من جنسيات مختلفة من تحدى الرواية الغربية المعتمدة للتاريخ وإعادة كتابة حقبة سقوط غرناطة برؤية مختلفة تتعارض مع الرؤية التاريخية السائدة. تقدم الروايات مفهوما غير مألوف عن فترة الحكم الإسلامى فى الأندلس وعن فترة الاسترداد الإسبانى فى محاولة لإعادة كتابة التاريخ وتحدى الحقائق التاريخية الراسخة لتلك الفترات.
وتناقش الرسالة قضية رفض النظرية التاريخية الجديدة للحقائق الثابتة والسرديات الكبرى إلى جانب قضايا أخرى مهمة..فى المقدمة أوضحت الباحثة العلاقة بين الأدب والتاريخ ومدى قربهما من بعضهما البعض وقدمت خلفية تاريخية عن فترة الحكم الإسلامى وسقوط غرناطة عام 1492 حتى طرد آخر العرب من أصل إسبانى عام 1609.
وخصصت فصلا لدراسة رؤية غير الغربيين لسقوط غرناطة كما فى رواية «ظلال شجرة الرمان لطارق على و»غرناطة» لرضوى عاشور. أوضحت فيه إلى أى مدى يمكن قراءة هذه الروايات فى إطار نظرية التاريخية الجديدة. إلى جانب القاء الضوء على أساليب السرد الروائى التى اتبعها هؤلاء الكتاب لإعادة كتابة التاريخ.
وخصصت فصلاً آخر لدراسة الروايتين الغربيتين: «يد فاطمة»لإدلفونسوفالكونز و»غرناطة» لالكسندر جريس وكيفية رفض كل منهما للخطاب الغربى الرسمى الموحد للتاريخ بطرح تفسيرات بديلة له ذلك ويلقى هذا الفصل الضوء على أسالبب السرد الروائى التى استخدماها لمقاومة الهيمنة الثقافية والسياسية.
تختتم الرسالة بإظهار كيف تمكن الكتاب الأربعة من جنسيات مختلفة من تحدى الرؤية التى لاجدال فيها للتاريخ وإعادة كتابة تاريخ غرناطة من منظور جديد.وتظهر غرض كل كاتب منهم لإعادة كتابة التاريخ والأساليب السردية المختلفة بالإضافة الى توضيح كيف توجد قصص متنوعة لنفس الحدث التاريخى وهو سقوط غرناطة وكيف يصبح التاريخ نوعًا أخر من الخيال..
تشكلت لجنة الحكم على الرسالة من د.أسماء الشربينى أستاذ الأدب الإنجليزى بجامعة المنصورة ومقرر لجنة ترقيات الأساتذة ود.مها حسنى عميد آداب حلوان المشرف على الرسالة ود.ايمان رسلان استاذ الأدب الإنجليزى المساعد بآداب حلوان..
الرسالة رغم أنها أعدت قبل طوفان الأقصى بكثير الا أنها جاءت فى وقت مهم وحساس لتدق اجراس انذار كبرى وتقرع الأذهان والعقول وتبعث برسائل للقاصى والدانى أن اعتبروا يا أولى الأبصار رسائل لمن يتجاهلون حقيقة ما يملكون من قوة ويستهينون بها..إلى من يغضون الطرف ويتعامون عن حقيقة مخططات الأعداء..إلى القاعدة الذهبية الأصيلة:اكلت يوم اكل الثور الابيض.
شبح سقوط الاندلس كان حاضرا وبقوة داخل المدرج رقم ٥٥ بمبنى كلية الآداب بحلوان وايضا مقاربات لآراء كثير من المحللين الغربيين وغيرهم حول ما يجرى وتأكيد أهمية الموقف الاسلامى الواضح والقوى إزاء المخططات الغربية والمواقف غير المنطقية لبعض الأطراف الفاعلة ..
**دائما ما يتبادر إلى الذهن سؤال مهم عندما يأتى الحديث على ذكر الأندلس..فزاوية التفكير دائما محشورة فى دائرة السقوط وأحاديث المؤامرات والنحيب والعويل على مجد زائل وماض تليد كان مجيدا حتى الروايات والمسرحيات على الرغم من أن الصفحات المشرقة والمضيئة أكثر من أن تحصى وممتدة على مدار ثمانية قرون وليس سنة أو سنتين بل 800؟!
مع اننا والعالم ايضا يحتاج إلى ما يذكره بكل ما هو مشرق ومضيء وكل ما يضيف إلى سعادة البشرية ويسعى للارتقاء بالإنسان فى شتى مجالات الحياة والى ما يدعم إنسانية الإنسان وسبل العيش المشترك والتعاون والتآخى وغير ذلك من قيم فقدها عالم اليوم وأصبحت البشرية كل البشرية متعطشة إليها ..
والله المستعان


تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة