«معًا للمستقبل»
وفى معهد الإعلام تعلمت فنون الصحافة وطرفًا من علوم السياسة والاجتماع، وقد احتل «المعهد» فى بدايته طابقًا كاملاً فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم تحول إلى كلية للإعلام انضمت لمنظومة تنسيق الجامعات، لتقدم مقررات متنوعة، إلى جانب المواد الإعلامية، مثل التشريعات الإعلامية والإحصاء والعلوم السياسية والاجتماعية وتتلمذت على أيدى أساتذة كبار بينهم الكاتب الصحفى الكبير جلال الدين الحمامصى ود. عبدالملك عودة ود.حامد ربيع ود. جمال العطيفى «وزير الإعلام فيما بعد» وغيرهم من القمم والقامات الأكاديمية والمهنية..ورغم أن خريجى الكلية على أفضل مستوى من الفهم وامتلاك ناصية التكنولوجيا العصرية لكن معظمهم لا يجد للأسف فرصة عمل فى تخصصه فى وقت يزاحمهم فيه آخرون عليها من غير أهل التخصص؛ حتى أنك تجد لاعب كرة مشهورًا أو حتى موظفًا وقد أصبح مذيعًا أو صاحب برنامج تليفزيونى أو صاحب قناة فضائية.
وكلما طاف شريط الذكريات فى ذاكرتى أكثرت من الدعاء لأمى وأبى اللذين أحاطانى بكل رعاية ودعم رغم صعوبات الحياة ورغم ضعف راتب والدى الموظف البسيط كأغلب أهل زمانه، فلم أكن أشعر مطلقا بأى نقص فى احتياجات بيتنا، فكل ما نحتاجه من الضروريات موجود بفضل حسن تدبير أمي
أشطر وزير مالية» فى زمانها.. فقد كانت، يرحمها الله، توفر لى كل ما أحتاجه من طعام وشراب، وتقتطع من قوت أسرتنا حتى تكفينى مؤنة العيش الكريم حين أتممت دراستى الثانوية بالزقازيق وانتقلت لدراستى الجامعية بالقاهرة.. وظل والداى يتعهدانى بالتشجيع والدعم فى دراسة الإعلام الذى رغبت فيه حتى تخرجت فى الجامعة.
ولا تزال ذاكرتى عامرة بأفضال أستاذى جلال الدين الحمامصي، رحمه الله، الذى تعلمت على يديه فنون الصحافة والمهنية وشرف الرسالة والمصداقية، وغيره من أساتذة كبار أدين لهم بالفضل بما غرسوه فينا من قيم الحب والأمل والعمل والعرق.. وحين تخرجت فى العام 1976 تدربت بجريدة الأخبار وقبلها بجريدة «صوت الجامعة» قبل التخرج وهو أكسبنى خبرة صحفية لا بأس بها أهلتنى للعمل بجريدة الجمهورية مع الكاتب الصحفى الراحل الكبير محسن محمد الذى كان يرفض «الواسطة»، وقد عرفته منذ كان مديراً لتحرير الأخبار، وقد طلب منى الانتقال معه للجمهورية بعد أن جرى تكليفه برئاسة تحريرها ثم قام بتعيينى فى العام نفسه، وتعلمت على يديه فنون الصحافة وأصولها ومبادئها وكيف تكون المهنية والحفاظ على سرية المصدر والالتزام وعدم الفبركة..وأشهد أنه أدخل لجريدة الجمهورية مجموعة كبيرة من الشباب استطاع بهم إحداث نقلة نوعية كبيرة ارتفعت بتوزيعها تدريجياً من 70 ألف نسخة إلى 450 ألف فى النصف الأول من عام 1984.. كما اشهد أن للكاتب الصحفى الكبير سمير رجب بصمات واضحة فى مؤسسة دار التحرير التى شيد مبناها الفخم ومطبعتها وأحدث طفرة صحفية كبيرة فى الجمهورية والمساء وإصدارات دار التحرير كافة.
وفى حياتى المهنية عرفنا تناقل الخبرات بين الأجيال وتعلمنا ممن سبقونا ولم يبخلوا علينا بخبرتهم ونصحهم ولعلى أفخر بأننى ابن من أبناء جريدة الجمهورية التى احتضنتنى ومنحتنى فرصة العمل وتحقيق الذات ولم تبخل على بشيء حيث عينت فيها فور تخرجى وترقيت من مندوب صحفى فى وزارات عديدة إلى رئيس قسم ثم نائبًا لرئيس التحرير ثم نائباً أول لرئيس التحرير ثم رئيسًا لتحرير كتاب الجمهورية ورئيسًا لمجلس إدارتها إلى أن تقدمت باستقالتى فى فبراير 2011.
كما أفخر بما قدمته من جهد نقابي، لكونى عضواً منتخبًا بمجلس نقابة الصحفيين وسكرتيرها العام لمدة 8 سنوات وكنت ضمن كتيبة النقابة للدفاع عن حرية الرأى والتعبير ضد القانون المشبوه 93 المعروف بقانون اغتيال الصحافة، حتى جرى إسقاطه وإقرار القانون البديل رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة، والذى أنهى الحبس فى قضايا النشر.
وخلال مسيرة عملى بجريدة الجمهورية لم أبخل بجهدى وكنت واحدًا ممن يوفرون للمؤسسة موارد مالية إلى جانب مهماتى التحريرية.. ولا أنسى قسم 139 جمهورية الذى أنشأه الكاتب الصحفى الكبير سمير رجب وقمت بالإشراف عليه واختيار نحو 100 زميل يشكل بعضهم الآن جانبًا رئيسيًا لفريق العمل بالجريدة..كنا أسرة واحدة يحب بعضنا بعضًا، ونتعلم ممن سبقونا الذين لم يبخلوا علينا بما عندهم من علم وخبرة، وكانوا يسدون لنا النصح ولا يتسع المقام هنا لذكرهم.
كما لا أنسى ما أصابنى فى مثل هذه الأيام قبل عام من مرض عابر غامض بلا مقدمات ؛ لأجد نفسى بين جنبات المركز الطبى العالمى لأكثر من 45 يومًا مرت بصعوبة شديدة فى بدايتها لكنى شيئًا فشيئًا أدركت أن ما أصابنى كان لحكمة ومشيئة ربانية اختارت الوقت والبلاء..كانت المحنة دروسًا وعبرًا أخذتنى من حياتى المعتادة التى اعتدنا فيها، شأننا شأن كل البشر، على النعم التى لا نعرف قدرها إلا سُلبت منا.. أدركت أنها منحة ربانية ساقها الله إليَّ لأبصر حقيقة الدنيا التى مهما طالت فهى إلى زوال؛ هى لحظة فى عمر الزمن أبصرت حقيقة العلاقات؛ أيها كان حقيقيًا صمد أمام الاختبار وأيها كنا زائفًا سقط فى أول اختبار حقيقي..عرفت من ظل معى لا يتوقف عن السؤال عنى مدفوعًا بشعور صادق وقع فى قلبي، ومن كنت عابرًا فى حياته على غير ما كنت أظن أنى إلى نفسه قريب..اقتربت كثيرًا من الله يملؤنى رضا وتسليم بقضائه سبحانه، ترسخت فى نفسى قناعة أن دوام الحال من المحال، وأن هناك أيامًا تسكن قلوبنا، ولا تفارق ذاكرتنا أبدًا كتلك التى مرضت فيها.. أيامًا نودعها ونرجو أن ننساها.. ذكريات هائلة.. وتحديات كثيرة.. نجحت بفضل الله فى اجتيازها بثبات وصبر ورضا..وهذا فضل من الله ونعمة تستوجب الشكر.. ويقين بأن الله معك بقدر ما تكون معه.. فهو سبحانه لا يتخلى عمن قصده بإخلاص وصدق.. رحم الله أبى وأمى رحمة واسعة..وشكرا لكل يدٍ امتدت لى بالعون والدعم منذ وعيت على الدنيا وحتى اليوم الذى استعيد شريط حياتى مع استقبال عام جديد أدعو الله أن يجعله عام خير ورشد لمصرنا الغالية..وكل عام أنتم بخير.