رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

مابين الأمس واليوم ، فقد أدمن سكان المعمورة فكرة الهروب من الواقع ،إما تمردا ورفضا وعصيانا لقوانينه أو بحثا عن الحقيقة ،وما هو أفضل في عالم المثل والخيال..
،ومابين أنصار زيارة واستشراف المستقبل ،وفريق الحنين للماضي تدور أحوال وتطلعات بني البشر إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وتحت ستار البحث عن عالم مواز جديد بمواصفات وجدانية تقنية واجتماعية مغايرة ،وفي سباق الحياة المعاصرة تتباين الرؤي بحثا عن كيفية التكيف مع الواقع بكل تحدياته ،مع إصرار الكيانات الرأسمالية بشقيها السياسي والاقتصادي علي توجيه ضربات مستمرة ومتتالية لأبناء المعمورة لخلق حالة من التوتر الدائم وعدم الاستقرار وإيجاد مبرر لتبرير ثلة من الأهداف والاستراتيجيات النفعية دون مبالاة بالكيانات الناشئة ،أو مراعاة
للأبعاد القيمية والأخلاقية ،والتي يراها بعض المارقين أنها شيئا مستقبحا من الماضي،وقيودا ممقوته لا مكان لها في عصر الحداثة ومابعدها!.

ومع كل هذه التقلبات والمتغيرات ووسط هذا الزخم الكبير يبحث الغالبية العظمى من أهل الأرض عن الحياة في أبسط صورها ،وينظرون للمستقبل بعيون الريبة،ويفضل كثيرون منهم الحنين إلى الماض ،والعودة للتفكر في المحطات الجميلة لدنيا الذكريات .

وقد ظل النزوع نحو المدينة الفاضلة ،ولعالم جديد وأفضل يسوده المثل وتحكمه قيم الإنصاف والحق والجمال،هدفا ،وحلما لفلاسفة العصور الوسطى،وما تبعها.
كما كان الهروب من الواقع،والتمرد عليه أحيانا عبر زيارات متكررة للمستقبل،وربط ما يحدث بالعالم من أحداث وتطورات وتغيرات بما هو قادم في المستقبل المنظور.
وظلت أفكار التطلع لما بعد العالم والاحساس بالاغتراب يراود الكثيرين، من الطامحين وممن يريدون إقناع الجميع برشد وصحة أفكارهم وصواب معتقداتهم.

وفي عصرنا الحاضر يهرع الأدباء وفلسفة ما بعد الحداثة وأرباب التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي إلي خلق عالم جديد ،يتنصل من الواقع وتحدياته،أملا في عالم أفضل لكنه في طريقة يتخلي طواعية ،وأحيانا مكرها عن القيم الإنسانية والمباديء الأخلاقية تدريجيا.

وبالعودة قليلا لذاكرة العالم نجد أنه وعبر قرون عديدة غادر الكثير من الأدباء من الواقع بافراحه وأتراحه إلي عالم الخيال والرمزية ، رغبة في تصور عوالم مغايرة شكلا ومضمونا..
ولعل النموذج الأهم كان رواية "دون كيشوت"،والتي ألفها"ميغيل دي سيرفانتيس سافيدرا"
قبل عدة قرون ما بين عامي 1605 ،1615م، وبطلها هو دون كيشوت، المعروف أيضاً بالرجل البارع ، وكتبت باللغة الإسبانية، وهي من أعظم أعمال الخيال، ومن أقدم الروايات، وهي قصة نثرية طويلة تركز على تنمية الشخصية ،وترجمت لأكثر من 60 لغة.

وفي التاريخ الروائي الحديث لا يؤرخ لرواية (دون كيشوت) باعتبارها إحدى أبرز الروايات المكرسة لهوية وحقيقة الإنسان ضد انهيارات القيم المجتمعية، وضد كل ما يستل ذاته الفطرية والنقية في صراعه مع العالم فقط، وإنما اعتبرت بداية لتاريخ الواقعية الأدبية، رغم اعتمادها على الخط الملحمي والغناء والكوميديا والمأساة والملهاة معاً في بنائها الفني والسردي.

كما تميزت الرواية بصنع شخصية روائية من أكثر الشخصيات نموذجية في الأدب العالمي بالرغم من أن محاربة الطواحين ليس سلوكاً مألوفاً في الحياة اليومية، فالسمة المتطرفة للأحوال النموذجية تنتح عن ضرورة استخراج الأعمق والأبعد في الشخصيات الإنسانية مع كل التناقضات المتضمنة فيها.

ولهذا خرج البطل ليخوض معركته في الوصول إلى غايته وهي محاربة القبح في هذا العالم، كفارسٍ شجاع ومغوار يشتبك مع المظاهر السلبية ويبحث عن مغامرات تنتظره، برفق حصانه الضعيف "روسينانتي" وتابعه "سانشو بانثا"، وهو جاره القروي البسيط الذي أقنعه بمرافقته في رحلته العامرة بقيم وأخلاق الفروسية وصولاً إلى المملكة المنشودة، مع وعد أنه سيمنحه حكماً على جزيرةٍ مكافأة له، وقد لُقب في رحلته هذه بفارس الظل الحزين.

ووفقا لرؤية النقاد فقد استطاعت هذه الرواية أن تُقلّد قِصصَ الفروسيةِ تقليداً جديداً يعتمد على السخرية أو نقل الأحداث من ألوان المثالية التي تتمثل في المأساة إلى لون هزلي يصطدم فيها المثال بالواقع الأليم.

والمثير أن بطل العمل يشعر بقدرته على تغيير العالم من خلال اعتماده على خياله الحُر وقيمه النبيلة وأفكاره التي لا تتوقف عن كيفية محاربة الشر وتغيير صورة العالم، رغم بساطة حاله، وموقعه وظروفه غير المتناسبة مع تطلعاته شبه المستحيلة!.

وهكذا انتقلت هذه الرواية بالإنسان إلى آفاقٍ أخرى لتحريره من سطوة الأفكار المادية، وأنه غير قادرٍ على صنع مصيره، أو مجابهة العالم بالأحلام والسعي لتغييره من خلال أفكاره وتطلعاته رغم بؤس الواقع، وقد تحولت الشخصية التي أبدعها "ثربانتس" إلى أيقونةٍ للخير والحق والجمال، في مواجهة قبح الواقع المؤلم.

وفي عام 2002، وبناء على طلب هيئة الكتب النرويجية فقد تم عمل قائمة بأفضل الأعمال الأدبية على مر العصور بتصويت 100 كاتب من الكتاب العمالقة من أربعة وخمسين دولة مختلفة وفي المقدمة جاءت رواية "دون كيوشوت" ، حيث تصدرت القائمة باعتبارها أفضل عمل أدبي تم كتابته في التاريخ وفقا لمفهوم بني البشر.

ويري البعض أن فروسية "كيشوت" التي غادرت الواقع ، اضطرت أحيانا للتخلي عن الأصل وتزييف الواقع وخلق نموذج مغاير لشخوص الواقع.

وعلي الجانب الآخر يتوجس الناس من جموح تقنيات الذكاء الاصطناعي المتسارعة وملامح عصر "ميتاڤيرس" Metaverse)‏ ،وما وراء العالم) من عوالم افتراضية موزاية قد تصنع إنسانا جديدا في كل شيء وفي حالة خصام وفصام دائم وحاد مع واقعه وحياته،وربما لا يفلح في العودة لسيرته الأولي!.

وقد كان أول استخدام لهذا المصطلح في رواية الخيال العلمي تحطم الثلج (Snow Crash) عام 1992 التي كتبها "نيل ستيفنسون"، حيث يتفاعل البشر كشخصيات خيالية (بالإنجليزية: avatar) مع بعضهم البعض ومع برمجيات، في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد مشابه للعالم الحقيقي، وقد تم تطوير استخدام المصطلح مع الزمن وقد كانت استخداماتها الأولى في منصات العالم الإفتراضي كمنصة "سكند لايف"،وغيرها.

كما أطلقت شركة "فيس بوك" الاجتماعية عالما افتراضيا عام 2019م باسم "هوريزون وورد" أي عالم الأفق، وقد أعلن "مارك زوكربيرغ" مالك الشركة تغير اسمه إلى "ميتا بلاتفورمز" وأعلن رسميا التزام الشركة بتطوير العديد من تقنيات العالم الافتراضي.
وظهر مفهوم الألعاب الافتراضية متعددة الأكوان ،والتي تتضمن محاكاة ثلاثية الأبعاد لا مركزية ومتصلة بشكل دائم ،وهذه العوالم الإفتراضية يمكن الولوج إليها والوصول لها عبر نظارات الواقع الافتراضي أو الواقع المعزز والهواتف والحواسب المكتبية ومنصات الألعاب.

كما أن هناك العديد من التطبيقات الفعلية المحتملة للميتاڤيرس، تعتمد علي أنظمة متطورة للذكاء الإصطناعي ،فحين الوصول إلى "ميتاڤيرس" مثالي سيكون بمقدور المستخدم أن يخوض أي تجربة أو نشاط وسيكون بمقدوره التعامل مع أي أمر يحتاجه من مكان واحد.
ومع مرور الوقت صورت منصة العالم الافتراضي المستخدم على أنه رمز في عالم ثلاثي الأبعاد ،وقد دمجت العديد من مواقع وشبكات التواصل هذه التقنيات لتقديم صورة موازية للحياة الاجتماعية ووظائفها.

وتلمح تباينا وبونا ساشعا في الفكر والفلسفة والتطلعات ،مابين جيل العصور الوسطى وتطلعات الفلاسفة القدامي وفروسية "دون كيشوت" والحنين إلى الماضي بحثا عن قيم الحق والعدل والجمال، وما بين عالم ما بعد الحداثة ودنيا "الميتافيرس" وتقنيات الذكاء الاصطناعي الفائقة لكل الحدود ،والنزوع نحو تدشين حياة اجتماعية بهوية خاصة وخلق صراع لا أخلاقي بين العقول البشرية والعقول الصناعية التي دشنها الإنسان بفكره وإبداعه،قد ينذر بتهديد وجودي وإفناء الحياة والتي تزيين كل يوم بكل ما هو جديد ومثير!.

وفي عموم زمن المتغيرات المتسارعة ،أتصور أنه من الحكمة التعايش مع الواقع بإيجابية وتوظيف واستيعاب الطاقات والمتاحة لصناعة حياة أفضل، والتكيف مع كافة المنغصات والتحصن من الآثار السلبية المدمرة للتقنيات التكنولوجية.
أما فكرة التمرد علي الواقع ورفض التعايش ،والعودة للماضي أو التطلع اللامحسوب للمستقبل،فإنه قد يتسبب في ضياع الوقت والجهد ،وربما يخلق حالة سلبية ومزيدا من العلل والأزمات الوجدانية والمادية ..وإنا لناظرون.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة