من الألف إلى الياء
مابين الخوف والرجاء تتباين رؤي وتوقعات أبناء المعمورة حول ما هو قادم ،وحول كل ما هو جديد في عالم الذكاء الاصطناعي.
البعض يفكر بعمق في المستقبل المنظور ويعلن توجسه اللامحدود من التراجع القيمي،وغياب أخلاقيات وضوابط الذكاء الاصطناعي ،ومن ثم يعلن تخوفه من قرب نهاية العالم في صورته الآنية والإتجاه نحو عالم اللازمان واللامكان ،وحلول زمن الإنسان البديل أو ما يسمونه "الإيسبرج"،وهو الكائن المهجن والذي يجمع بين ذكاء عقول البشر ،ومابين ما أبدعته العقول الصناعية في خليط ينذر بصراع غير مأمون ،وغيرمحمود العواقب!.
أنصار الاتجاه المتشاؤم لديهم شواهد داعمة لهذة الرؤية،وتؤكد أن هناك قوي معلومة وأخري مجهولة تسعي حثيثا لتغيير الاتجاهات وصورة الحياة التقليدية،وأنماط العلاقات والعادات علي كافة المستويات الوجدانية والمادية.
وفي إطار جدلية الصراع بين الإنسان والآلة ،ووفقا لقوانين العصر الرقمي ظهر ما يعرف بفرضية أو مصفوفة "ماتريكس"،والتي أثارت فلسفتها الكثير من الجدل والتحليل،والقليل من النقد والتقويم!.
وتعد سلسلة أفلام The Matrix واحدة من أشهر وأنجح السلاسل السينمائية في تاريخ هوليوود، وهي تتألف من ثلاثة أفلام صدر الأول بعنوان The Matrix في عام 1999، ثم أعقبه الجزأن الثاني والثالث بعنوان The Matrix Reloaded وThe Matrix Revolutions ،وكلاهما صدرا في عام 2003.
الثلاثية من ابتكار وإخراج الأخوين "لانا واتشوسكي وآندي واتشوسكي" ومن بطولة كيانو ريفز، لورانس فيشبورن، كاري آن موس، هوجو ويفينج.
وتدور أحداث ثلاثية "ماتريكس " حول المُقرصن (توماس أندرسون/ نيو) الذي يستشعر دائماً وجود خطأ ما بالأجواء المحيطة، ليدرك فيما بعد أن حياة البشر بأسرها ما هي إلا واقع افتراضي يُعرف بمُسمى المصفوفة "الماتريكس" تم تطويره بواسطة الذكاء الاصطناعي بهدف إخضاع الجنس البشري للسيطرة وتحويله إلى مصدر للطاقة.
وتنقلب حياة (نيو) حين يُدرك أنه -بالعالم الحقيقي- يعيش في عام 2199م وأنه يُمثل أهمية بالغة بالنسبة لمجموعة المقاومة الساعية إلى تحرير الجنس البشري.
وعلي هامش فرضية ماتريكس ،تداعت تساؤلات جمة حول هل العقل البشري بالفعل سجين الحدود المادية.. وهل تتفوق العقول الصناعية في تجاوز هذه الحدود والقفز إلي إدراك عوالم مغايرة ولا محدودة ..هل يمكن أن نكون نحن والآلة أصدقاء كما اعتاد أهل المعمورة.. وهل تتجاوز العقول الصناعية حدود المساندة ودعم البشر إلي عالم والمنافسة الشرسة ،ومن ثم الهيمنة والسيطرة وتولي دفة التحكم والقيادة؟!.
بنظرة فاحصة في أحداث فيلم The Matrix ، كان لابد لجنس واحد فقط أن يعيش والثاني أن يخضع للجنس الآخر ،"إن تجاوزنا في تسمية الروبوتات جنساً" ، إنها حتمية الصراع بين العقول الطبيعي والعقول الصناعية، التي أبدعتها وطورتها أساسا عقول بني البشر.
كل الشواهد والمعطيات تفوق الذكاء الصناعي والآلة علي الإنسان علاوة علي التحكم في حواسه كليا ،واصبح يعيش في عالم وهمي ويقضي معظم اوقات حياته داخله مقابل ملذات الحياة بينما يتغذى الذكاء والروبوت على أعمال الإنسان وكدحه اليومي.
وبعد مشاهد افلام "ماتريكس "، ستخرج حتما بقرار أن الإنسان قد وُلد ليعيش تحت جناح الآلة، لا العكس كما يعتقد غالبية البشر. السببية هي الأخرى جزء لا يتجزء من فلسفة فيلم The Matrix، فلكل فعل رد فعل، ولكل سؤال جواب، ولكل سبب مسببب!.
ولو طرحنا سؤالا على الشركات الرائدة: "لما تصنعون ذكاءً إصطناعيا وروبوتات "، سيخبرونا وبثقة زائدة : لخدمة البشر، وتوفير جهده ووقته ،ولكي يعمل بديلا له لينعم الإنسان بالرفاهية المطلقة "، لكن إن كان للروبوت ذكاء إصطناعي قد يكون أقوى من البشر، فهل سيخضع حقا لنا .. أم سيجعلنا نخضع له؟!.
كخلاصة عامة، فإن فرضية ال "ماتريكس" ان يتحكم فينا الروبوت ولذكاء الصناعي بدلا أن نتحكم نحن فيه، ونخضعه، قد يتعلم هذا الاخير ويخضعنا بدورنا، وإن إندلعت حرب بيننا وبينهم، فلهم أفضلية الفوز، وأفضل سيناريو سيكون لصالح أبناء المعمورة أن يتم السيطرة على حواسنا وإخضاعنا لنظام وهمي مثل "الماتريكس" ونعيش فيه بزمن الماضي، حين لا يكون للروبوت وجود من أساسه، لكن إن كنا نخشى هذا السيناريو حقا، فلماذا لانزال نستمر في تطوير صناعة الروبوت؟!.
الإجابة ربما نجدها في فرضية "العالم الغربي" WestWorld.
وفلسفتها وفقا لمجموعة "ماتريكس" ، تدور الأحداث في سنة 2199، أي بعد ما يزيد عن قرن ، ولو أمكن تقريب الأمر قليلا، بعد 10 أو 20 سنة، هنا ستظهر لنا فرضية WestWorld، التي تأتي مناقضة تماما لفرضية "ماتريكس" حيث يري الفيلم أن الإنسان خاضع للآلة ويحاول التحرر منها، بينما في سلسلة "العالم الغربي" فالإنسان يُخضع الآلة لا العكس، لكن ليس لوقت طويل!.
وتتكون هذه السلسلة من جزئين أول جزء قد تم إطلاقه سنة 2016، تحكي السلسلة بشكل عام عن شركة قررت صناعة منتزه أو Park يشغل مساحة كبيرة جدا يسمى بالعالم الغربي أو الـ WestWorld، هذا العالم يضم كما كبيرا من الروبوتات ذات الذكاء المتحكم به، لكل روبوت نظام حياة يومي متكرر ، يلج الإنسان العادي إلى ذلك المنتزه ويعيش الحياة التي يريد مع "الروبوتات"، يمكنك قتلها، تدميرها أو حرقها، يمكنك فعل أي شيئ تريد بتلك "الروبوتات" لأنك في منتزه يعج بها وتدفع مالك مقابل التعايش معها لوهلة، إلي أن يقرر المدير التنفيذي "الذي يلعب دوره أنثوني هوبكينز" ومخترع الروبوتات الموجودة في المنتزه، على حين غرة ان يوفر لها وعيا خاصا بها، فيعي كل "روبوت" وجوده ويتذكر ما فعله الإنسان به، فيسعى للإنتقام مخلفا الكثير من القتلى من بني البشر.
وإن بدت الفكرة بسيطة إلا انها أكثر تعقيدا ،وتشابكا .. والسؤال الأهم هنا.. ما مدى قرب فرضية "العالم الغربي" لعالمنا الحقيقي الآن ؟!
الإجابة الصادمة تشي، بأن إمتلاك "روبوتات" المستقبل للوعي الحقيقي بالإضافة الى الدماغ ذات التفكير الحتمي ،سيقودنا إلي صدق فرضية "ماتريكس" ، وقد يقودنا إلى الصراع ضد الآلة ومنه إلي التصادم بين "الجنسين"، مؤديا لإنتصار أحدهما، إما حرب مدوية، أو العيش في ال"ماتريكس".
أتصور أن الإنقلاب الواعي للآلة ومحاولة إخضاع البشر والقضاء عليه، يتطلب "فرملة تكنولوجيا صناعة العقول قبل فوات الأوان ،فالآلة أقوى منا جسدا وذكاءً ،ووعيا إن توافر لديها، وبالطبع كحال أي جنس المسيطر "مثل البشر مع الحيوانات "سيحاول المسيطر اخضاع الثاني لأنه ببساطة أذكى واقوى، وفقا لقوانين غريزة السيطرة.
وفي النهاية هناك سيناريوهان لحسم هذه القضية : الأول فوز البشر بعد حرب مدوية وخسائر بشرية كبيرة، إستخدام لأسلحة متطورة لها مخلفات على المدى البعيد ،كما حدث في فرضية "العالم الغربي،"، أما السيناريو الثاني فهو فوز الآلة، وهو ما سيأخذنا مباشرة لفرضية "ماتريكس" ، ما أن تسيطر على حواس الإنسان وعقله فقد أخضعته وتحكمت فيه، فأصبح العالم والمستقبل للآلة.
وحتي إشعار يبدو أن هناك من يحاول افتعال الصراع بين الإنسان والآلة" لحاجة مغرضة في نفس يعقوب"، وتجاوز فكرة دعمه ،وتوفير وقته ومساندته في اتخاذ قرارات فاعلة تسهم في تغيير الواقع لصورة أفضل ،إلي منافسته والتفوق عليه،وربما السيطرة عليه وتقييده وخلق نموذج عصري بمواصفات مغايرة..
أتصور أنه هذا أيضا يصب في نهاية المطاف في دعم منظومة الهيمنة المطلقة التي تترجمها الخوارزميات المتحيزة وما تبدعه عقول بني البشر من عقول صناعية موزاية أو مضادة ربما تفسد بقية عقول اهل المعمورة ، وتتحكم في مصائرهم بشفرات وفرضيات اللازمان واللامكان..شاء من شاء وأبي من أبي..ولله الأمر من قبل ومن بعد.