نبض الشارع
تعليقاً على مقال الأسبوع الماضى، كتب لى أحد الأصدقاء يستنكر دفاعى عن الدكتور محمد معيط وزير المالية، وتفاؤله فى ظل الأزمة التى يمر بها الاقتصاد المصرى، ويتعجب من حديثه عن قوة هذا الاقتصاد وقدرته على الصمود ضد التحديات، ثم تساءل: لماذا لم تنعكس قوة هذا الاقتصاد على حياة المواطن؟ وما فائدة أى برنامج للإصلاح الاقتصادى إذا لم تنعكس نتائجه على رفاهية المواطن وتحسين مستوى معيشته؟
استنكار صديقى أمر مشروع، وأسئلته موضوعية، وإجابتها تتطلب عدة مقالات وليس مقالاً واحداً، ومساحة أكبر مما هو متاح فى مساحة هذا المقال، لكن بإيجاز شديد أقول:
ـ إن مسئولية وزير المالية ـ أى وزير للمالية ـ هى إدارة السياسة المالية للدولة، وإعداد الموازنة العامة بما يسمح بتدبير الإيرادات والمخصصات المالية اللازمة لتلبية احتياجات المواطنين، وذلك وفقاً لما تحدده الحكومة من أجور ومرتبات ومعاشات، ودعم السلع الأساسية مثل القمح والزيت والسكر والأرز والمواد البترولية وغيرها، واستثمارات لتنفيذ خطط وبرامج تطوير المرافق العامة مثل مياه الشرب والصرف الصحى والطرق، وتحسين الخدمات مثل الصحة والتعليم والنقل والإسكان وسداد الالتزامات الخاصة بالديون وتكلفة القروض.
إذا على الحكومة ـ أو بمعنى أدق على الوزارات والهيئات الخاضعة للموازنة ـ أن تضع برامجها وخططها السنوية، وتحدد احتياجاتها المالية ويطلق على تكلفة هذه الاحتياجات مصروفات الموازنة العامة، وعلى وزير المالية أن يدبر الإيرادات والمخصصات المالية اللازمة لهذه الاحتياجات أوالمصروفات، وأن يقلل الفارق بين الإيرادات والمصروفات «عجز الموازنة» قدر الإمكان.
والسؤال هنا هلاستطاع نجح الدكتور معيط خلال توليه مسئوليته انجاز هذه المهمة؟
الإجابة نعم، والدليل على ذلك تلك الأرقام التى تؤكد تحقيق فائض أولى خلال السنوات الماضية، أى زيادة الإيرادات العامة عن المصروفات التى طلبتها الحكومة وحددتها فى برامجها وخططها.
وبالنسبة للديون، فإن المقارنة بين حجمها منسوباً إلى حجم الناتج المحلى الإجمالى خلال السنوات العشر الماضية، تؤكد أنها فى الحدود الآمنة والمتعارف عليها دولياً.
ـ أما بخصوص الأزمة الاقتصادية لم أدع عدم وجود أزمة يمر بها الاقتصاد المصري، ولكنى قلت «إنه مثله مثل كل اقتصاديات العالم»..، يواجه حالياً تحديات صعبة بسبب الآثار السلبية للأزمات العالمية المتتالية، وقلنا إنه أصبح من الصلابة بما يسمح له بمواجهة هذه التحديات والأزمات نتيجة لعملية الإصلاح التى بدأت منذ ٦١٠٢، والدليل على ذلك أنه رغم أزمة كورونا وأزمة الحرب الروسية ـ الأوكرانية والأوضاع السياسية المضطربة والساخنة فى منطقتنا، فإن الاقتصاد المصرى مازال يحقق معدلات نمو إيجابية، والمؤشرات كلها تؤكد أننا نسير فى الاتجاه الصحيح، ولعل أخر هذه المؤشرات تحقيق البورصة المصرية فى عام 2023 لأفضل أداء لها فى تاريخها، أى على مدار ٠٤١ عاماً.
وهذا كله هو سر أو سبب تفاؤل الدكتور محمد معيط كما قلت الأسبوع الماضى.
ـ وحول شعور المواطن بنتائج التحسن الاقتصادى وانعكاس الإصلاح على تحسن مستوى معيشته، فلا يمكن أن ننكر تلك الطفرة فى القضاء على العشوائيات، وفى عدد مشروعات الإسكان الاجتماعى والمدن الجديدة التى أقيمت فى السنوات الماضية، وتنفيذ برنامج حياة كريمة الذى يستهدف تحسين الخدمات فى القرى والمدن التى ظلت تعانى من انعدامها أو نقصها لعقود طويلة، وبرامج الحماية الاجتماعية المختلفة التى يستفيد منها ملايين الأسر والمواطنين، ناهيك عن برامج ومبادرات الصحة والتعليم الأخري، ثم الزيادات المتتالية فى العلاوات وفى الحد الأدنى للأجور والمعاشات.
ـ يبقى السؤال الأهم والمشكلة التى تزيد من شعور المواطن بالأزمة، وهى مشكلة التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار ونقص المعروض من النقد الأجنبي، وهنا يجب أن نفرق بين السياسة المالية التى هى مسئولية وزير المالية، والسياسة النقدية التى تهتم بمعدل التضخم وسعر الصرف، ويسأل عن إدارتها البنك المركزي.
وهذا هو محور حديثنا فى مقال الأسبوع القادم إن كان فى العمر بقية.