أبيض وأسود
واحد من أهم أفلام هذا العام الذى أوشك على نهايته، وهو أحدث أعمال المخرج الكبير مارتن سكورسيزى الذى يستمتع بالعمل مع روبرت دى نيرو وليوناردو دى كابريو حتى أصبحا لا يعملان إلا معه، وقد قاما ببطولة فيلمه السابق الذى كان يحمل عنوان «الأيرلندي» الذى عرضه مهرجان القاهرة السينمائى فى حفل الافتتاح قبل عامين.
سكورسيزى يعشق العودة للتاريخ الأمريكي، خاصة لإبراز اللحظات الحاسمة التى تظهر حقيقة الشخصية الأمريكية التى تفهم جيدا أنه لكى أعيش، لابد أن أنهى حياتك، وهو مبدأ اكتشفه المهاجر الأوروبى القادم للأراضى الأمريكية فى القرن الثامن عشر من أجل أن يبدأ حياة جديدة فى أراض واعدة، لكنه يصطدم بالسكان الأصليين من الهنود الحمر، لذلك يقرر التخلص منهم أولاً وقبل أى شيء.
قرأ المخرج مارتن سكورسيزى كتاب الصحفى الأمريكى ديفيد جرين الذى صدر عام 2017 ويحمل عنوان «قتلة زهرة القمر» وزهرة القمر هو الاسم الهندى لقبيلة «الأوساج» التى كانت تعيش فى ولاية أوكلاهوما حتى عشرينيات القرن الماضي، وهى تمتلك أراضى شاسعة فى تلك الولاية التى تسبح فوق بحر من البترول، بالتالى أصبحت محط أنظار الطامعين، خاصة عائلة «هيل» اليهودية ومنها العم «وليم هيل» وقام بدوره روبرت دى نيرو وابن شقيقه «ارنست هيل» وقام بدوره ليوناردو دى كابريو.
سكورسيزى دون أن يقصد كأنه أراد التعليق على أحداث غزة وإصرار اسرائيل على قتل وتهجير السكان الأصليين من الفلسطينيين، ويؤكد أيضا مقولة «إن التاريخ يعيد نفسه» وتكون العودة إلى التاريخ أحد عناصر قوة السينما فى قدرتها على قراءة الأحداث السياسية قديمها وحديثها.
«قتلة زهرة القمر» على المستوى الفني، واحد من أهم أفلام سكورسيزى بشهادة صديقه ستيفن سبيلبيرج، لذلك حظى الفيلم بعدد كبير من ترشيحات الجولدن جلوب، خاصة فى التمثيل للثلاثى دى نيرو ودى كابريو ولى لى جلاديستون فى دور «مولي» التى تزوجت من ارنست وهى لا تعلم أنه أحد المجرمين المتورطين فى قتل عدد كبير من قبيلتها بإيعاذ وتشجيع من عمه وليم هيل.
قام ايريك روس بكتابة السيناريو، بالاشتراك مع سكورسيزى و»روس» عبقرى فى كتابة السيناريوهات التى تعتمد على أحداث ملحمية تغطى مساحة زمنية طويلة، ولكنه فى «زهرة القمر» قدم أكثر من ٣ ساعات تفاصيل جرائم قتل هؤلاء الأبرياء من أجل استئثار الرجل الأبيض بكل خيرات الأرض من بترول ومعادن ويصبح المالك الوحيد لتلك الثروات الطبيعية.. لقد قدم سكورسيزى صفحة سوداء جديدة تضاف لصفحات أخرى مازلنا نعانى ويلاتها حتى اليوم.