أبيض وأسود
[email protected]
في لقاء جمعني بعدد من رجال الأعمال ومن النخبة الثقافية المهمومة بالشأن العام قبل أيام، كان الهم الشاغل للجميع هو الإجابة علي تساؤل: متى يتوقف العدوان الإجرامي علي غزة؟! الإجابات كانت مجرد اجتهادات، لكنها تنتهي بأهمية الدور المصري ومحوريته التاريخية والواقعية، وحجم الجهد الذي تبذله القاهرة لإنهاء أزمة الأشقاء الفلسطينيين.
والحقيقة مصر تبذل الكثير في العلن والسر، وكل السيناريوهات جاهزة للتعامل مع محنة الأشقاء أمام إجرام الاحتلال. والأهم أن دور مصر وعظمته أنه لا يسعى لمكاسب شخصية ولا لتصفية حسابات، هو دور الكبار الذين يتجاوزون عن الصغائر من أجل حماية القضية الفلسطينية، ومن أجل تخفيف الأزمة والوصول بها إلى حل نهائي. وهذه هي مكانة مصر مهما تقول المتقولين.
وحقيقي أن أحداث غزة موجعة للقلب، ومتعبة للنفس، لكن نفس التجمع في اللقاء أبدي اهتمامًا غير عادي بالنهضة العمرانية التي تشهدها مصر في السنوات الأخيرة.
لا يختلف أحد أن أهم ما يميز عهد الرئيس السيسي هو البناء من أجل المستقبل، قد نختلف في أمور أخرى، ونضع ملاحظات. لكن في النهوض بالعمران من المدن الذكية إلى العاصمة الإدارية الجديدة نحن أمام ملحمة لا ينكرها إلا جاحد. والأهم أنها لا تستهدف توفير شقق وأبنية وأراض للسكن وإنما تستهدف نهضة حضارية توفر حياة كريمة وراقية لكل المصريين. العاصمة الإدارية بالنهاية هي الواجهة المستقبلية لمصر التي ستوفر للأجيال الجديدة فرص للحياة الكريمة، وستوفر أدوات العصر لهم في حياة تتوافق وتنسجم مع عصر الذكاء الاصطناعي بما تقدمه من بنية تحتية جبارة لم تكن تمتلكها مصر من قبل.
الجميع أشادوا بمحاضرة وزير الإسكان الدكتور عاصم الجزار قبل أسبوعين في سلطنة عمان بحضور عدد من الوزراء والمحافظين والمسئولين بالدولة الشقيقة، حيث عرض خلالها إنجازات الدولة المصرية في مجال التنمية العمرانية خلال 9 سنوات بعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال زيارته في إطار العلاقات الثنائية القائمة بين البلدين الشقيقين وتعزيز التعاون المشترك بينهما، وتبادل التجارب فيما يتعلق بمجال الإسكان والتخطيط العمراني.
الدكتور عاصم الجزار قال في المحاضرة، إن "النهضة العمرانية التي تشهدها مصر حالياً، إنما هي تطبيق لمخرجات المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية "مصر 2052"، الذي تبناه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقد تم تحقيق وتنفيذ جزء كبير من مخرجات المخطط بما يتخطى المدد الزمنية المحددة بكثير، موضحاً أن الهدف الأول للمخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية، هو مضاعفة المعمور المصري، وبالفعل نعمل حالياً على تنمية 13.7 من مساحة الجمهورية، وهي ضعف المساحة المعمورة قبل عام 2014، ومن أجل تحقيق هذا الهدف نفذنا شبكة من الطرق والمحاور لتكون بمثابة الشرايين للربط بين العمران القائم، ومناطق التنمية الجديدة".
وأهم ما في محاضرة الجزار في سلطنة عمان تأكيده علي أن "خطة الدولة المصرية للتوسع في إنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة، هي بالأساس خطة اقتصادية، وليست خطة للبناء فقط، فالهدف هو توسيع رقعة المعمور من أجل التنمية الاقتصادية، موضحاً أن الدولة المصرية ومنذ عام 2014، شرعت في تنفيذ جيل جديد من المدن الجديدة "الجيل الرابع"، وهي مدن ذكية ومستدامة، لتحقيق جودة الحياة للمواطن المصري، وتعتمد كل مدينة منها، على قاعدة اقتصادية تتناسب مع طبيعة الإقليم الذي تقع فيه، وتحقق الغرض من إنشائها، وفي القلب من تلك المدن، العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تمثل مركزاً لريادة المال والأعمال، وتضم مشروعات يتم تنفيذها لأول مرة بمصر، كمشروع منطقة الأعمال المركزية، وبها البرج الأيقونى، وهو أطول برج في أفريقيا بارتفاع نحو 400 متر، وكذا مشروع الحدائق المركزية "كابيتال بارك"، بطول نحو 10 كم، وهي أكبر حديقة مركزية في الشرق الأوسط، وثاني أكبر حديقة مركزية في العالم، وغيرهما من المشروعات الرائدة".
الحضور من الجانب العماني أشادوا بالتجربة العمرانية الكبيرة التي شهدتها الدولة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعبروا عن انبهارهم بالإنجازات الكبيرة التي تم تحقيقها في زمن قياسي، مطالبين بالمزيد من التعاون بين مصر وسلطنة عمان، للاستفادة من التجربة المصرية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
الأهم في كلام الجزار ومحاضرته التي سلبت عقل العمانيين أنها حديث مدعوم بالحقائق والوقائع، وأصدقائي ضربوا المثال بما يحدث في مدينة العبور التي تحولت إلي قبلة للمستثمرين العرب في الأشهر الأخيرة، فزيارة قصيرة لهذه المدينة المتاخمة للقاهرة ستشعر أنك في مدينة أوروبية من حيث النظافة وتوافر الخدمات، والأهم "المولات" الجديدة التي أعطت بريقًا للمدينة وأضافت خدمات نوعية والاستثمارات القادمة من الخليج لهذه المدينة بفضل تفان وحسن إدارة رئيس جهاز مدينة العبور المهندس أحمد رشاد الذي نجح في عدة أشهر في نقل المدينة من مخالب العشوائيات والمخالفات إلي أحضان التنسيق الحضاري وروح القانون نافخًا روحًا جديدة في العمل يشعر بها الجميع. وبذكاء شديد نجح أحمد رشاد في تنمية موارد المدينة عبر الإعلانات وعبر فرض القانون علي الجميع ورفع مستوى الخدمات من الكهرباء إلى المياه إلي الصرف الصحي والنظافة، وهو ما جعل العبور قِبلة للمستثمرين المصريين قبل العرب.
وتجربة رئيس جهاز مدينة العبور الناجحة يجب أن تدرس في هيئة المجتمعات العمرانية، ويجب أن يحتذي بها باقي رؤساء أجهزة المدن. والأهم أن نموذج أحمد رشاد الناجح وقف وراءه فطنة الرئيس السيسي في ديسمبر قبل عامين في ختام فعاليات أسبوع الصعيد، حيث كرمه الرئيس علي إنجازاته في رئاسته لمدينة أسوان الجديدة، مما ألقي عليه الأضواء ليتم تصعيده تاليًا إلي رئاسة مدينة العبور.