رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أيام معدودة وتدخل الولايات المتحدة بكل اداراتها وأجهزتها في عام الانتخابات الرئاسية، هذه المهمة هي بالفعل صراع دائر ودائم بين الجمهوريين والديمقراطيين، الا انه يشد ويحمى وطيس المعركة مع الدخول في العام الأخير من حكم ساكن البيت الأبيض، عندها تسقط كل المحظورات، وتباح كل المحرمات، وتمحي من سجل السياسة الامريكية كل الخطوط الحمراء والفاصلة بين ما هو مباح وغير مباح.
هذه المرة الوضع يبدو مختلفا، فكلا نجمي مهرجان الانتخابات واقعين سلفا في بحر من الأخطاء الاستراتيجية بل أكثر من ذلك فقد تجاوزا بمراحل عتبات الثوابت والمتغيرات في الانتخابات الامريكية التي وضعها الإباء المؤسسين.
الرئيس السابق دونالد ترامب، المرشح الاوفر حظا لدى الجمهوريين ، يخوض معارك عديدة منذ ان ترك البيت الأبيض لساكنة الجديد قبل ثلاثة أعوام ، اخطرها تداعيات اقتحام الكونجرس الأمريكي من جانب مؤيديه ، انتهاء بتجاوزات أخلاقية، وبعض قضايا الفساد والتهرب الضريبي، ومع ذلك تشير كل استطلاعات الرأي الى تقدمه بفارق كبير على الرئيس الحالي جو بايدن، وهو بالطبع امر مستغرب، فما هو الأكثر سوءا في بايدن الذى جعل الناخب الأمريكي يلجأ الى غريمه المتهم بتشجيع أنصاره على اقتحام مبني اعرق مؤسسة تشريعية في أمريكا وتعطيل عملية تسلم السلطة.
بايدن، في حقيقة الامر رجل تقطعت به السبل في الزمن الذي يعيش فيه، فهو اما غائب عن الصورة او انه في اطارها ولا يعرف ماذا يفعل أو يقول.
وهذه الحالة لم تورد سابقا على الناخب الأمريكي، وربما كان اخرها الرئيس الأسبق رونالد ريجان، الذي قالوا عنه انه كان ينام أكثر من 12 ساعة يوميا، لكن على الأقل في زمنه انتصرت أمريكا في الحرب الباردة وسقط الاتحاد السوفيتي.
وقبل أيام فتح مجلس النواب الأميركي، تحقيقاً رسمياً لعزل الرئيس جو بايدن على خلفية أنشطة ابنه هانتر التجارية الدولية المثيرة للجدل، في خطوة اعتبرها سيد البيت الأبيض "حيلة سياسية لا أساس لها". وحظوظ نجاح هذا التحقيق شبه منعدمة، لكنه قد يشتت جهود بايدن في سعيه إلى الفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر2024.
ويتهم الجمهوريون الذين يحظون بغالبية مقاعد مجلس النواب منذ مطلع العام بايدن باستغلال نفوذه عندما كان نائباً للرئيس باراك أوباما (2009-2017) للسماح لابنه بالقيام بأنشطة تجارية مشكوك فيها في الصين وأوكرانيا. لكن أخطر ما طرأ على ملفات بايدن وزاد من تراجع شعبيته، هما حربي أوكرانيا وغزة.
وبعد أكثر من أربعة أسابيع من الهجوم الذي نفذته حركة "حماس" ضد إسرائيل وما تبعه من عمليات عسكرية إسرائيلية انتقامية في غزة، وبعد 20 شهراً من الحرب في أوكرانيا، يجد الرئيس الأميركي جو بايدن نفسه في مواجهة محدودية نفوذه تجاه صراعين دوليين تركا أثراً كبيراً على فترة رئاسته.
في الشأن الإسرائيلي، نعود الي صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية التي قالت إنه على مدى الأسبوعين الفائتين، ظلت إدارة بايدن تحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على السماح بـ "هدنة إنسانية" في غزة وبذل جهود أكبر لتجنب سقوط ضحايا مدنيين، يحذوها الأمل بأن يكون للمساعدات العسكرية السنوية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى إسرائيل والبالغة قيمتها 3.8 مليار دولار أميركي، الأثر الكافي على قرارات نتنياهو... لكن هذا لم يحدث ويؤكد الأخير مضيه فيما أسماه "الانتقام الأعظم" من حماس.
تتوالى التحذيرات من داخل الولايات المتحدة من أن يرتدّ دعمها اللامحدود لإسرائيل، وأحدثه صفقة الذخائر "إم 830 إيه 1"، إلى صدرها، بضياع الاستقرار في داخلها، وسط تزايُد السّخط الشعبي من تشتيت موارد البلاد على الصراعات الخارجية.
أما الوضع في أوكرانيا فيمكن القول إنه على الدرجة نفسها من التعقيد. وهو وضع لخصه القائد العسكري الأوكراني الأرفع فاليري زالوزني، بـ "الجمود" مع عدم قدرة طرفي الصراع على تحقيق تقدم كبير أو تحقيق أي نجاح في العمليات العسكرية.
ومبعث القلق هنا هو أن اعتراف الجنرال زالوزني الصريح بالجمود قد يؤدي إلى عواقب سلبية. فذلك قد يزيد من صعوبة إقناع الجمهوريين بدعم تمويل كبير للحرب في أوكرانيا وسيكونون أقل ميلاً إلى تخصيص موارد تجاه صراع إذا كانوا يعتقدون أنه وصل إلى طريق مسدود. إضافة إلى ذلك، هناك خوف من أن يشجع استمرار هذا الجمود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التشبث بالوضع الراهن ومحاولة إطالته حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، على أمل أن يقوم دونالد ترامب حال انتخابه أو أي جمهوري آخر، بتخفيض أو سحب الدعم الأميركي لأوكرانيا.
والانتقادات الداخلية في أمريكا تتزايد وتري ان إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تقوم ب "توريط" أميركا في عدة صراعات دولية، وتبريره لذلك بأنه "صراع عالمي بين الديمقراطية والاستبداد"، هو في الواقع مبرر فقد شرعيته التاريخية على مدي حروب أمريكا الخارجية بداية من فيتنام حتى غزو العراق مرورا بمهزلة أفغانستان.
والشعب الأميركي أصبح عازفا على نحو متزايد عن تحمّل فاتورة المساعدات العسكرية للصراعات في الخارج إلى أجل غير مسمّى، حيث أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة انحدار الدعم بين الديمقراطيين والجمهوريين لكلِّ من إسرائيل وأوكرانيا.
المحللون يرون إنّ هذه السياسة لم تجلب لواشنطن في النهاية إلا "عداوات" في العالم، وهي بالفعل رؤية حقيقية، وان كانت الأيام والاسابيع القادمة تؤشر الي وجود تغيرات مفصلية في التعامل الأمريكي مع القضايا الساخنة سواء في غزة او أوكرانيا وأيضا مع الصين.. وربما من المتوقع ان نشهد انقلابا بشكل ما في هذه السياسة ستعيد بعض ما فقدته واشنطن من ديناميكيتها في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية بصورة أكثر استجابة لمتطلبات الواقع وليس وفق رؤية أطرافا أمريكية بعينها (البنتاجون، الخارجية الامريكية) كلفها الكثير من مصداقيتها المتآكلة أصلا سواء في المنطقة او حتى في العالم.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة