رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ظهر المفكر والدبلوماسى السابق فى أحد البرامج التليفزيونية التى اعتاد أن يتحدث فيها عن ذكريات وسنوات عمله ودوره «المؤثر» فى صناعة الأحداث والقرارات مع الكبار الذين عمل معهم والذين رحلوا عن عالمنا إلى دار الحق ولم يعد فى مقدورهم التعليق على ما يقوله أو تكذيب الوقائع والروايات.
ولأن هذا المفكر اعتاد أن يقول ما يقوله فى اطار الاتجار بالتاريخ والتربح منه وفى إطار السعى للبقاء فى الأضواء أيضاً.. وحيث الأضواء وجذب الأنظار هى من أمراض العصر.. فإنه تمادى فى إحدى روايات الحديث وتناول الزعيم الخالد جمال عبدالناصر وبطل الحرب والسلام الرئيس المؤمن أنور السادات ونسب إليهما واقعة غير مألوفة وغير معهودة عنهما وتضر بمكانتهما وسمعتهما والتقدير الواجب لهما.
وقامت القيامة وارتفعت الأصوات تستهجن هذا الافتراء وتدعو إلى احترام مسيرة العظماء والحفاظ على قيمة رموز مصر الكبار.
كان ممكنا أن تكون هذه الرواية هى بداية النهاية لهذا الدبلوماسى الذى قضى سنوات طويلة فى العمل بالرئاسة إلا انه سارع وفى غضون ساعات قليلة من تصريحه المزعوم إلى الاعتذار علنا وإبداء أسفه وندمه على ما قال.
والاعتذار كان ضروريا وكان لابد أن يعتذر وإلا واجه عقابا أدبيا وجماهيريا لا مثيل له قد يكون البداية لمقاطعة إعلامية شاملة له.. فالرجل لم يكن يوجه انتقادا لناصر والسادات يستوجب احترام وجهة النظر ولكنه كان ينسب إليهما واقعة تمثل نوعا من الإهانة فى حق الأموات.
>>>
وإذا كانت هذه الواقعة قد مرت بالاعتذار الذى لن يمحو الخطأ فإن الحديث عن رموز مصر وقادتها العظام يجب أن يكون دائماً على قدر الإنجازات والمكانة التى تليق بهم وبمكانتهم.
فالحديث عن جمال عبدالناصر هو حديث عن حقبة تاريخية مهمة مرت بها مصر التى قادها واحد من أبنائها من عامة الشعب من طين الأرض المصرية خرج إلى العالم يعلن صوت الثورة على الظلم.. الثورة على الاستعمار.. الثورة على الإقطاع.. ويدعو إلى العدالة الاجتماعية.. إلى تكافؤ الفرص.. إلى حق الجميع فى حياة كريمة.. ارفع رأسك يا أخى فقد انتهى عهد الاستعباد.
ولأنه أحدث تغييرا فى المفاهيم وثورة فى الفكر أيقظ بها مشاعر المستضعفين فى العالم.. وفجر بها مخزون الغضب داخلهم ليبدأوا مسيرة التحرر الوطنى فى كل دول العالم الثالث فإنه لم يصبح رئيسا داخل حدود الجمهورية المصرية وحدها وإنما زعيم ورمز عالمى تتردد دعوته وأفكاره للتصدى للامبريالية والاستعمار فى كل أرجاء الكرة الأرضية.. كان ناصر هو صوت مصر للعالم الذى يبحث عن الحق والعدل والمساواة.
وحين نتحدث عن ناصر مصر فإننا قد نختلف مع بعض سياساته وقراراته ولكننا ندرك فى هذا انه لا يمكن تحليل وتقييم هذه القرارات بأثر رجعى فقد يكون لهذه القرارات ظروفها الخاصة ومحيطها المختلف عن رؤيتنا الحالية ولكن خلافنا الحقيقى مع ناصر والمرحلة الناصرية هو انها دخلت عدة معارك فى آن واحد وهو ما استدعى تكاثر الأعداء على مصر وتجمعهم لإسقاط ناصر فى مرحلة كان يمكن أن تحقق فيها مصر معجزة البناء الداخلى والانطلاق الذى لا حدود له لأن الإيمان كان عميقا بناصر.. وناصر لو كان قد قال لنا خوضوا البحر لخضناه معه.. كانت كلمة ناصر يقينا وقوة وثقة.. ولهذا كان فى مقدوره أن يفعل ويقدم لمصر أكثر مما قدمه.
>>>
وعندما نتحدث عن رمز آخر من رموز مصر التى ستظل خالدة محفوفة بكل التقدير والاحترام.. عندما نتحدث عن الرئيس محمد أنور السادات فإننا نتذكر ونستعيد ذكريات مدرسة لا تتكرر فى المناورة السياسية وفى فن الصدمات ومواجهة الأزمات.. نتحدث عن رئيس خرج من القاع إلى القمة بتجارب أصقلته وصنعت منه شخصية لا يمكن التنبؤ بقراراتها ولا ردود أفعالها ولا سياساتها.. شخصية قادرة على اتخاذ القرار المناسب بحكمة ومهارة وفى الوقت المناسب.. داهية سياسية تجيد رؤية وقراءة الأحداث والأشخاص أيضاً بفهم ووعى وذكاء.. شخصية من نوع خاص امتزج فيها الفكر السياسى بالفكر الإعلامى بالرؤية العسكرية والاستراتيجية.. رئيس التربة المصرية الغنية المعجونة بالأسرار والألغاز والقوة.. رئيس قاد مصر بعد عبدالناصر ليملأ الفراغ ويواجه الانتقادات والسخرية ومراكز القوى ويثبت ان معه السلاح الأقوى، سلاح الشعب.. ومن استعان بالشعب واستقوى بالجماهير فإن الكلمة تدان له والقوة إلى جانبه والنصر فى النهاية حليفه.
والسادات الذى تمكن فى وقت قصير اثبات ملامح شخصيته وبدأ المرحلة الخاصة به والانتقال إلى سياسات اقتصادية وانفتاحية مغايرة للمرحلة الناصرية كان أيضاً هو الهبة الإلهية لمصر ليقودها فى أشرف وأهم المعارك معركة تحرير واستعادة الأرض والكرامة وتحقيق الانتصار العظيم بالعبور الكبير لقناة السويس واستعادة سيناء فى حرب العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر من عام ثلاثة وسبعين.
أما لماذا نتحدث عن ناصر وعن السادات بكل هذا الزهو وبكل هذا الاعتزاز فإن هذا ينبع من تقدير عميق لاثنين من رموز مصر صنعا تاريخا لا ينسى وقدما روحيهما فداء للوطن وكانت مصر ومكانة مصر هى همهما وشغلهما الشاغل.. بذلا وأديا ما عليهما بأمانة وشرف.. لهما ما لهما وعليهما ما عليهما ولكنهما كانا فى كل الأوقات علامات مضيئة فى تاريخ ومسيرة مصر.. رموز نعتز بها ولا نقبل بأى إساءة أو تشويه إليهما أو الإتجار باسميهما وحياتهما..
>>>
وأخيراً:
الخيبة ليست حدثا طارئا
بل وعى متأخر.
>>>
ونصيحة: لا تزرع نفسك
فى غير أرضك فتذبل.
>>>
وتكسرنا الحياة.. فيجبرنا الله
ونعود أقوي.
>>>
وبعض البشر كالتاريخ
لا يعاد ولا ينسي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة