من الألف إلى الياء
على مرأى ومسمع من الضمير الأممي الصامت والذي فقد إنسانيته وفعاليته، وفي عالم المتناقضات تواصل إسرائيل اقتراف جرائمها الإنسانية والبيئية، بينما اجتمعت دول العالم في قمة المناخ COP28 بدولة الإمارات لإقرار تعهدات جديدة وملزمة لحماية البيئة الإنسانية من الآثار المدمرة وإيجاد آليات للإسراع في وقف الهدر البيئي وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري ودعم استثمارات الطاقة النظيفة المستدامة.
إن ممارسات وتجاوزات الكيان الصهيوني في غزة وفي مختلف أرجاء فلسطين أمست نموذجا عصريا للعدوان السافر علي البيئة الطبيعية والإنسانية، وسط صمت مريب ومواقف متخاذلة من دول الغرب الصناعية والتي تسببت أيضا في تفاقم الكوارث والمعضلات البيئية وفي صناعة كافة الصور السلبية للتغيرات المناخية!.
وحتى كتابة هذه السطور تزيد كمية المتفجرات والمقذوفات التي ألقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي علي غزة عن 32 ألف طن، وهي كمية تتجاوز ضعف حجم القنبلة النووية التي ألقيت علي هيروشيما اليابانية، كما تهدد باستخدام الأسلحة النووية المحدودة لإبادة الفلسطينين، وما تزال غزة صامدة.
هذا علاوة على ما تسببه الدبابات والآليات العسكرية والذخائر من انبعاثات كربونية وعوادم وملوثات أضرت بالبيئة الطبيعية بمختلف أرجاء الأرض المحتلة.
كما تخطط إسرائيل للبدء في إغراق أنفاق غزة بالمياه، علاوة علي المجازر الوحشية اليومية وإراقة دماء ما يزيد عن 17 ألف شهيد وعشرات الآلاف من المصابين ومئات الآلاف من المشردين.
وبالتوازي مع المجازر، دمروا البني التحتية، وأحرقوا آلاف المزارع ولوّثوا المياه العذبة والمالحة وقضوا على الأحياء البحرية، في جرائم بيئية تجعل الحياة في تلك الأراضي الفلسطينية شبه مستحيلة على المدى القريب والبعيد.
وتتعدد صور أشكال الكارثة الإنسانية وتأثيراتها البيئية الضارة نتيجة لاستمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، ومن بينها تكدس جثث الشهداء تحت الأنقاض، وهو ما يهدد بانتشار الأوبئة والأمراض.
كما يؤدي تحللها في المناطق المنكوبة إلى مخاطر صحية جسيمة كالإصابة بالسل، والفيروسات المنقولة بالدم، مثل التهابات الكبد الجهاز الهضمي كالكوليرا والإشريكية القولونية، وداء السالمونيلا، وحمى التيفويد، وغيرها.
يُضاف إلى هذه الآثار البيئية نتيجة الدمار الهائل الذي حلّ بالقطاع بسبب الغارات الإسرائيلية بعد تدمير آلاف المنازل، المدارس والجامعات، المقرات الحكومية، المساجد والكنائس، وغيرها علاوة علي تراكم كميات هائلة تزيد عن 30 ألف طن من النفايات في وسط المدينة.
كما تسبب حطام المباني في مشكلات صحية خطيرة على السكان، من بينها التسمم بمادة "الأسبستوس"، التي تؤدي للإصابة بداء التليف الرئوي، وإلى عدة أنواع من السرطان كسرطان الرئة والحنجرة والمبيض، وذلك وفقا لما ذكرته منظمة الصحة العالمية، وحسب تقرير منظمة "العمل ضد العنف المسلح" (AOAV).
كما دمّر القصف على غزة شبكة الصرف الصحي، وهو ما سيؤدي حتما إلي تلوث المياه الجوفية والسطحية ومياه بحر القطاع.
ومع اجتياحها القطاع، تسببت القوات الإسرائيلية في تجريف عدد من الأراضي الزراعية وتلويثها بوقود الآليات العسكرية والذخائر التي لم تنفجر.
وبقايا الأسلحة الكيميائية المحرَّمة دولياً، مثل الفوسفور الأبيض، والقنابل العنقودية،وغيرها فهذه الأسلحة الفتاكة ستسبب مشكلات خطيرة بعيدة المدى على مستوى العناصر الأساسية للبيئة، كتلويث التربة والمياه الجوفية والهواء، مما يضر بصحة الإنسان وسائر الكائنات الحية.
كما يحذر الخبراء من أضرار بيئية خطيرة لو نفذت إسرائيل مخطط إغراق أنفاق غزة بعد أن فشلت في تدميرها برا وجوا، والتي أنشاتها حماس لشن عمليات المقاومة، والتي يزيد عددها عن 1300 نفق، وتمتد لأكثر من 500 كيلو، فتغطية سطح الأرض بمياه البحر سيقضى على عذوبة المياه الجوفية ويزيد من ملوحة التربة مما يؤثر سلبا على انتاج المحاصيل الزراعية.
والخلاصة أن إسرائيل تسببت في دمار بيئي هائل بقطاع غزة جراء قصف البنى التحتية ومحطات معالجة مياه الصرف ومصانع الكهرباء والوقود، مما أدى لتلوث الهواء والماء والتربة، فماذا تنتظر دول العالم، بعد هذه التصرفات والإجراءات العمدية لإفساد الحياة الطبيعية في الأرض المحتلة.
لقد انتهكت إسرائيل العشرات من مواد اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية التي تحظر استخدام وسائل وأساليب القتال التي من شأنها إلحاق أضرار بالبيئة أو تدميرها، ومنها المادة 35(3) والمادة 55 من البروتوكول الأول.
كما انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حظر استحداث تطوير إنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة، التي حظرت تماما الأسلحة الكيماوية واستخدامها ضد المدنيين.
لقد أماطت هذه الممارسات والتجاوزات الصهيونية في فلسطين اللثام عن وجوه قبيحة إرتدها زمنا طويلا للترويج للسامية وما تعرضت له من مظالم ومذابح عبر التاريخ، لتبرير ما تقوم به من مذابح دموية في حق الإنسان والطبيعة.
أتصور أنه قد آن الأوان أن يتخذ المجتمع الدولي إجراءات عاجلة لمحاسبة إسرائيل وردعها عن ارتكاب المزيد من الجرائم البيئية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، كما يتعين على مجلس الأمن إصدار قرارات صارمة بحق إسرائيل تلزمها بوقف عدوانها على غزة وانتهاكاتها البيئية، وكذلك ينبغي فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إسرائيل مثل حظر تصدير تكنولوجيا أو معدات عسكرية لها، بالإضافة إلى إحالة ملف جرائمها البيئية للمحكمة الجنائية الدولية.
وبعيدا عن القوي المتواطئة، والتي لن تغير موقفها لابد من ردع إسرائيل ووقف إفلاتها من العقاب حتى تمتثل لقواعد القانون الدولي البيئي وتوقف حروبها غير المتكافئة التي تدمر البيئة وتهدد حياة الملايين، كما يجب أن تتخذ الدول العربية موقفا حاسما نحو ضرورة محاسبة إسرائيل على جرائمها البيئية أمام المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك إلزامها بدفع تعويضات لإعادة إعمار البنية التحتية البيئية في غزة التي دمرتها حروبها الكارثية.
ولن تنتهي فصول الإجرام الصهيوني بين عشية وضحاها مع صمت المجتمع الدولي الفاعل بمجلس "التواطؤ" الدولي، والذي فشل في استصدار قرار بوقف إطلاق النار ومعاقبة إسرائيل علي ممارستها الدموية ومجازرها الوحشية غير المسبوقة.
إن إصرار الكيان الإسرائيلي علي تدمير كافة أوجه الحياة وإحراق الأخضر واليابس دون حساب لهو عار للإنسانية ونقطة سوادء في جبين المجتمع الدولي، وحتي إشعار آخر.. لله الأمر من قبل ومن بعد.