وأحيانا ما نفضل العودة إلى ذاكرة التاريخ.. لنأخذ منه العظات والعبر فقط وإنما نستمد منه ذكريات المجد والفخار التى تعيد شحن بطاريات الإرادة والمقاومة والصمود والقدرة على الاستمرار.
ونذكر ونتذكر تلك الأيام الخوالى التى كنا فيها على ثقة ويقين بأن الريادة فى مصر.. والإبداع ولد مصريًا.. وأن فى مصر رجالاً علمهم جمال عبدالناصر أن يكونوا أسودًا على شكل جنود.
وأنا واحد من الذين لم ينتموا للتيار والفكر الناصرى ولكننى واحد أيضا من المؤمنين بأن جمال عبدالناصر زعيم مصر التاريخى قد نجح فى أن يخلق فى داخل كل واحد فينا مشروعًا قوميًا مستقلاً أساسه الفخر والاعتزاز بكونك مصريًا.. عبدالناصر خلق داخلنا الحلم الكبير فى أمة عربية لا يقدر عليها أحد.. فى أمة عربية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.. عبدالناصر زرع فينا روح التحدى بعد قرون من الاستكانة والخنوع.. عبدالناصر أنسانا الدنيا وقضايا الحياة لأننا كنا نذوب عشقًا واندماجًا فى وطنى حبيبى الوطن الأكبر الذى يوم ورا يوم أحلامه بتكبر.
والقيمة الحقيقية لجيل وأبناء عبدالناصر أننا عشنا شعور الثقة عشنا الأمل الذى سيتحقق عشنا الاحساس بأننا الأفضل وحتى الهزيمة عشناها على أنها نكسة ومرحلة مؤقتة فى طريق الانتصار.. عشنا نغنى لبلدنا من الأعماق ونرفع العامل والفلاح فوق الاعناق.. عشنا وفى داخلنا شعور بالقناعة رغم أنه كان ينقصنا الكثير والكثير من حياة أخرى لم نعرف عنها شيئًا ولم نكن نهتم أن نعرف لأن فى داخلنا احساسًا جميلاً بأن لدينا ومعنا كل شيء.. معنا الكبرياء الوطني.. معنا الكرامة.. معنا الاحترام.. نحن الذين وقفنا ضد الأمريكان.. ولا يهمك ياريس من الأمريكان ياريس وراك أشجع رجال.. الذين انتصرنا فى معركة السد وقلنا هنبنى وأدينا بنينا السد العالي.. نحن الذين كنا نفخر بأننا عندما نذهب إلى أى مكان فإنهم يسألوننا إذا كنا من بلد ناصر.
> > >
ونعم.. نعم.. من بلد ناصر.. من البلد الذى ثار وانتفض وحارب وقدم التضحية من أجل فلسطين.. نحن من البلد الذى قدم المساعدة والمساندة لدول العالم الثالث من أجل التحرر الوطنى وطرد الاستعمار.. نحن من البلد الذى أرسل بعثاته التعليمية والصحية لينير الطريق أمام الآخرين من الاشقاء والأصدقاء.. نحن من البلد الذى اعتاد العطاء لأنه يؤمن أن هذا قدره وهذا واجبه وهذا دوره.
ولأننا من بلد ناصر فإنهم لم ينسوا أبدًا أن هذا البلد الذى يزغ نوره فى الشرق كان وراء القضاء عليهم فى كل مكان.. كان وراء نهاية حقبة استغلال الشعوب واحتلالها.. كان وراء الوعى الجديد الذى انطلق فى العالم يدعو إلى التخلص من الهيمنة والاستعباد.. كان وراء الاحساس بقيمة الضعفاء إذا ما اتحدوا معا وقرروا التصدى والمقاومة.
ولأنهم لم ينسوا فإنهم لم يتوقفوا عن احاكة وتدبير المؤامرات لنا.. ولن يتوقفوا.. حاولوا فى العدوان الثلاثى عام ستة وخمسين أن يعيدوا احتلال مصر من جديد وفشلوا.. وحاولوا فى حرب يونيو سبعة وستين كسر الإرادة المصرية إلى الأبد وفوجئوا أن شعب وجيش مصر يعود أقوى مما كان عليه.. وحاولوا بعد انتصار أكتوبر العظيم أن يتحول الانتصار إلى عقاب فتآمروا لعزل مصر عن أشقائها العرب رفاق الانتصار ولكن أواصر الدم والعروبة كانت أقوى من كل المؤامرات فعادت مصر للعرب وعاد العرب لمصر.
ولأن مصر تستعيد دورها الآن.. ولأن أبناء وأحفاد ناصر يحاولون إعادة كتابة تاريخ جديد من القوة والتحدى فإنهم أوجدوا فى طريقنا الأزمات.. وحاولوا حصارنا بشتى الطرق.. بأساليب أخرى غاية فى الدهاء.. وحاولوا التضييق علينا لكى نخضع ونلين ونسنجيب ونترك لهم أمر القيادة والتوجيه فى رسم شكل جديد للمنطقة وعناصرها المؤثرة.. هددونا برياح الربيع والخريف والشتاء.. حاولوا تصدير الإرهاب إلينا وإحداث الفتنة فى الداخل والايقاع بين أبناء الشعب الواحد.
ولم يدركوا أنها مصر.. مصر التى لا تخضع لأحد.. مصر التى ارتوت من النيل العظيم الذى يحمل الخير والنماء ولكنه أيضا الاكسير الذى يمنح القوة والصلابة فى مصنع الرجال الذى يفرز وينجب أقوى الرجال وأشرف الرجال.. وأنبل الرجال.
> > >
وهى مصر التى تذهب اليوم إلى صناديق الانتخابات مؤمنة أنه الواجب الوطنى الذى تمليه المرحلة.. مرحلة لاننتخب فيها رئيسًا جديدًا.. ولكننا نصدق ونبايع ونحمى مشروعًا وطنيًا عملاقًا لبناء بلد جديد.. جمهورية جديدة قادرة على أن تعيد كتابة تاريخ العزة والفخار.. جمهورية جديدة ترفع رأس كل مصرى وتحقق أمانينا فى الحياة الكريمة.. جمهورية جديدة لأجيالنا القادمة تحمل الخير والنماء فيها كل الفرص مفتوحة وفيها الحياة كل الحياة.. جمهورية للعلم للإبداع للمثقفين للعلماء لأهل الفكر وللفن والأدب.. جمهورية تبرزو وتحتضن الكفاءات والخبرات.. جمهورية تفخر بنجومها برموزها بالكبار فى كل المجالات.. جمهورية فيها البقاء للأصلح والاكفأ والقادر على العطاء.. جمهورية تكافؤ الفرص والمساواة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.. جمهورية تستفيد من الحجر فى بناء الإنسان وإعداده وتأهيله لمتطلبات العصر.. جمهورية للأمن والاستقرار فى المناخ العالمى المضطرب.. جمهورية مصر العربية التى تقدم اليوم أفضل نموذج للتلاحم والاصطفاف الوطنى كلنا أبناء مصر.
> > >
وأخيرًا:
حصيرة فى البيت أفضل من سرير فى المستشفى وضيق فى الرزق أفضل من ضيق فى التنفس فكن حامدًا فقد سمع الله لمن حمده.
> > >
ويارب العوض عن كل شعور أثقل القلب.
> > >
ومن يؤذى الآخرين بالأكاذيب سيأتى يومًا من يؤذيه بالحقائق.
> > >
ومن لم يحسن إلى نفسه لم يحسن إلى غيره.