رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

من اتجاهات الفكر التنويري العربي في السنوات الأخيرة رفض فكرة المؤامرة والتواطؤ، والسعي الحثيث لدمج الأفكار والثقافات الشرقية والغربية،وفتح آفاق أرحب للتعايش والتكامل المادي والوجداني!.

ووفقا للمنطق الإنساني المتوازن قد يكون هذا الأمر مقبولا،شريطة توافر الإرادة الحقيقية للتكيف الإيجابي والاحترام المتبادل.
ويبدو أن الرياح قد جاءت بما لا تشتهي السفن ،فمعطيات الواقع ومستجدات الحال تثبت فشل هذه النظرية وتؤكد أن هناك مسافات وفجوات عميقة بين العرب والغرب،رغم ما يبدو في الأفق من ترابط شكلي،يجسده الصور المتعددة لعلاقات التعاون الاقتصادي والثقافي وأحيانا السياسي،لكنها تدور في فلك العلاقات النفعية وتخضع دائما للتغيير وفقا للأهواء والمصالح ولمستجدات الأحداث.

وفي زمن التحولات التقنية الكبري ما بين عصر"الميتافرس"، والتطورات المتلاحقة غير المسبوقة في تقنيات ومنظومات الرقمنة والذكاء الاصطناعي مخطئ وواهم من يظن أن وسائل الإعلام الغربية بما تملكه من منصات عالية الجودة والتأثير والانتشار، ستنتصر للقضايا العربية ،أو أنها ستراعي الأبعاد والمبادئ النظرية والإنسانية للإعلام كالموضوعية والحيادية ،والدقة في سرد الروايات والأحداث المطابقة للواقع بلا تزييف أو تلوين أو تضليل!.

لقد كشف مأسأة غزة الحقيقة المرة بكل صورها القبيحة ،فقد مارست شركة "فيس بوك وشبكات غربية" أخري إرهابا تكنولوجيا لا مثيل له ،وحجبت روايات وقصصا، وڨيديوهات ترصد معاناة أبناء الصمود في غزة ومختلف بقاع أرض فلسطين ، وتكشف حقيقة الإجرام الصهيوني واقترافه لأبشع الجرائم في تاريخ البشرية !.

ومابين إعلان الرفض التام والصدام والمقاطعة لهذه الوسائل والدعايات المغلوطة أو البحث عن آليات للتعايش معها واتقاء شرورها، تتأرجح التوجهات وتتوه الرؤي أحيانا، ويتوقف العقل عن التفكير ولكن المسلم به أننا أمسينا في حاجة للمراجعة وتقييم هذه المتغيرات والبحث آليات جديدة لصد هذه الهجمات، وإتمام ما يسمونه بالتواصل المتكافيء الفعال الذي يتجاوز حدود "الاستقبال الصامت" للتأثير في الآخر ، والحد من رسائل التي صنعت صورا ذهنية تجافي الحقيقة وتختصم الواقع بكل تفاصيله وأبعاده!.

وفي هذا السياق تبرز تطلعات بعض المتفائلين لوسائل تواصل اجتماعية بهوية عربية وإسلامية للتحصن عن مقابح وأضرار هذا السيل الجارف من الأكاذيب وتتزييف الواقع ،والإصرار علي قلب الحقائق.
ويطالب هؤلاء بالاستفادة من تجارب دول مثل الصين وكوريا الشمالية،وغيرها حين فرضت إجراءات صارمة للتحصن من مقابح وشرور وسائل الإعلام الاجتماعية الغربية, التي بدأت في الانحراف عن مسارها ،انحيازا لقناعات فكرية وسياسية وأيديولوجية.

وقد تزايدات المخاوف مع بداية العهد الجديد للفيس بنظام ميتا ڤيرس Meta Verse ،أي ما وراء العالم، وهناك هواجس أن تتحول هذه المنصات والشبكات لأدوات فاعلة تحمل رسائل ومضامين موجهة لخدمة المصالح السياسة والإيديولوجيات وتصدير الثقافات الغربية، بصرف النظر عن جودة المضمون وموضوعيته ،وربما تمتلك مع مرور الوقت سلطة التوجيه، المنع والمنح ، والثواب والعقاب كما هو الحال في عالم السياسة التي تدار بالمنطق النفعي “الميكافللي”، حيث تبرر الغاية الوسيلة، ولوتحررت من كافة المعايير القيمية والأخلاقية ،والمواثيق الانسانية المجردة!

وعلي الصعيد الأكاديمي والبحثي بدأ الحديث عن أبعاد وطبيعة التأثيرات الاجتماعية والثقافية للإعلام الرقمي بشقيها السلبي
والإيجابي في عصر "الميتافيرس" والسماوات المفتوحة والإبحار في آفاق مجهولة ربما تتجاوز حدود الزمان والمكان!.

وعلي الجانب الآخر يبدو أن أنظمة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لن تتوقف عن تقديم كل ما هو جديد وغير متوقع، ومن ثم يمكن توظيف هذه التقنيات المتطورة لتنفيذ سيناريوهات "المؤامرة"،رغم أنف عالم المتفرجين !.

وفي هذا السياق بدأت "مايكروسوفت" في إنتاج برامج تستهدف دمج الذكاء الاصطناعي بالتفكير البشري عبر "خوارزمية الأفكار"
،حيث كشفت عن طريقة لتدريب جديدة للذكاء الاصطناعي تسمى خوارزمية الأفكار (AoT)، مصممة لجعل النماذج اللغوية الكبيرة مثل "جي بي تي 4" أكثر كفاءة وأكثر شبهاً بالإنسان من حيث قدرات التفكير.
كما تؤكد أن "خوارزمية الأفكار" قد تغير قواعد اللعبة، لأنها "توجه النموذج اللغوي من خلال مسار أكثر بساطة لحل المشكلات"، وذلك وفقاً لورقة بحثية نشرتها الشركة.
ويستخدم هذا النهج الجديد "التعلم من السياق"، ما يمكّن النموذج من استكشاف حلول مختلفة بطريقة منظمة على نحو منهجي أو موجه!.
ووفقا للعديد من الدراسات العلمية فقد ظهرت بعض التطبيقات الغربية المتحيزة للجنس واللون والإيديولوجية في كثير من خوارزميات التعلم الآلي،ورصدت العديد من الأمثلة لها.

وما بين الماضي والحاضر والمستقبل وشائج ومنطلقات وقناعات وثوابت تتعلق بالصورة الذهنية لقضايا العرب والمسلمين ونظرة الغرب الإستعلائية الأزلية للعلاقة بين دول العالم الأول والساعية للنمو،وحرصها علي بقاء هذا التصنيف العنصري وإقناع الناس به أبد الدهر!.

ويبقي الدور الأهم للإعلام العربي في الدعوة لتطوير المحتوي
والاهتمام بأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي ولمزيد من توحيد الجهود لتطوير برامج وخوارزميات بهوية عربية ،والاستفادة من الخوارزميات الغربية غيرالمتحيزة في شرح قضايا العرب ،ومناصرة حقوق أهل فلسطين المشروعة في الحياة وفي وطن آمن.

وتبدو أهميتها في تجنب تقلبات الرسائل الموجهة ودعم طموحات التنمية الشاملة المستدامة ،وإعداد رسائل ومضامين إعلامية قوية وموزاية تعضد من فرص التواجد علي الخريطة السياسية الدولية.
كما تسهم هذه التطبيقات والخورازميات في ضرورة التحقق من المعلومات والكشف عن معايير ومقدار الصحة والخطأ ،وتحليل المعلومات ومقارنتها بمصادر موثوقة لتحديد المحتوى غير الدقيق أو المضلل.

ولم يعد أمرا ترفيهيا ضرورة استخدام المؤسسات الإعلامية للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، للتحقق من صحة المقالات الإخبارية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والمحتويات الأخرى المتعلقة بالتنمية المستدامة والشاملة ،مما يضمن وصول المعلومات الدقيقة والموثوقة إلى الجمهور.
ويبقي الوعي بمتطلبات هذه المرحلة وحوسبة الإعلام واللغة العربية أمرا ملحا لمواكبة هذه التطورات المتلاحقة،وهو السبيل لتفعيل هذه التطلعات والطموحات.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة