أخر قمة عقدت بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينغ ، كانت قبل عام في جاكرتا، على هامش قمة العشرين، وقتها كانت بكين تمثل 71% من الناتج المحلى الاجمالى للولايات المتحدة، ولكن الصورة تغيرت الى حد ما بعد قمة سان فرانسيسكو التي يمكن وصفها ب"قمة الصراع" والذى عقدت قبل أيام بين الرئيسين.
فكلاهما أى البلدين انهكهما الصراع الدائر سواء في أوكرانيا او حتى في قطاع غزة، فواشنطن التي تعد الراعى الرسمي لكلا من أوكرانيا وإسرائيل تعانى من نقص حاد في الذخائر والعديد من المعدات العسكرية بسبب الطلبات المتزايدة لسد الفجوة في الحرب الأوكرانية ، اذا اضفنا الى ذلك حجم الضغط الداخلى سواء على المستوى الشعبي او الرسمي الذى يعانى منه بايدن نتيجة سوء ادارته لملف الصراع الروسي الأوكراني الذى تزايد بشكل مفرط بعد الدعم الذى اقره الرئيس لإسرائيل في حربها على غزة.الامر الذى انعكس سلبا على فرص الحزب الديمقراطي لتولى فترة رئاسة ثانيه كان يطمع فيها بايدن المشتاق لتحقيق هذا الحلم منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضى.
اما الطرف الثاني الصين، فمارست سياسة رشيدة مكنتها من التغلب على كثير من الأزمات التي افرزتها المتغيرات الدولية للتحول الى عالم متعدد الأقطاب ،وعلى الرغم من التقديرات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الصين تشكل حوالي 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة وهو اقل بحوالي 6 % من العام الماضى، الا ان جهودها نجحت في احتواء مشاكل القطاع العقاري لتجنب امتدادها إلى القطاع المالي. ونجحت بكين أيضا في كسر الحصار الأميركي على الرقائق من خلال تقديم رقائق متقدمة محلية الصنع ضرورية لهواتف "هواوي" من الجيل الخامس. ولا تزال التطبيقات الصينية تسيطر على قائمة أفضل خمسة تطبيقات تُحمّل في متجر التطبيقات الأميركي. وقادت الصين توسعا لكتلة "البريكس"، حيث تسعى الكتلة الموسعة، التي تضم مصر وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى تعميق التكامل العالمي الناشئ وتوسيع عملية التحرر من الاعتماد الكامل على الدولار.
وفي ظل الضعف الحالي لروسيا، اتجهت الصين نحو المحيط المتجمد الشمالي من خلال إقامة طريق الحرير القطبي، بهدف الاستفادة من الموارد الطاقية الوفيرة وفتح طريق تجاري جديد يربط بين آسيا وأوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي. وتعتبر الصين أن فلاديفوستوك تمثّل هونغ كونغ الخاصة بشمال أوراسيا.
شكلت تحديات مثل الانكماش، وضعف الصادرات، وتدفق رأس المال الأجنبي إلى الخارج، وانخفاض قيمة سعر الصرف، والصدمات الاقتصادية المركبة نقطة الاهتمام المركزية في بناء دولة شي جين بينغ؛ فالولايات المتحدة ما تزال الشريك الاقتصادي الأعظم للصين. ومن أجل تحقيق استقرار في مجالات التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، يحتاج شي إلى إقناع الولايات المتحدة بأن الصين لا تزال وجهة استثمارية جذابة ونقطة جذب للسوق الاستهلاكية.
ومن بين أولوياتها، تريد الصين من الولايات المتحدة أن تتراجع عن الحظر المفروض على الرقائق الصينية، والامتناع عن فرض قيود تجبر الدول الأخرى على عدم بيع منتجات صناعة الرقائق للصين. كما تطمح الصين إلى رفع اسم بعض من مئات الشركات ومعاهد الأبحاث الصينية من القوائم السوداء وقوائم الكيانات الأميركية. وتسعى أيضا إلى إعادة التفاوض بشأن الرسوم الجمركية بهدف إعادة تنشيط صادراتها. بالإضافة إلى ذلك، ترغب الصين باستمرار في تدفق رأس المال الأميركي إلى أسواقها المالية المحلية، وتهدف إلى استعادة مكانة هونغ كونغ باعتبارها مركزا عالميا للتجارة الحرة تابعا للصين.
ومن وجهة النظر الأمنية، فإن جوهر المصالح الأساسية للصين هو تايوان. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في يناير المقبل، يأمل شي جينبينغ أن يصدر بايدن بيانا قويا للمرشحين الرئاسيين في تايوان يؤكد فيه معارضة الولايات المتحدة لاستقلال تايوان. ورغم التصريحات المتكررة للرئيس بايدن بأن "الولايات المتحدة لا تدعم استقلال تايوان"، إلا أن هذه التصريحات لا ترقى إلى مستوى المعارضة الرسمية لاستقلال تايوان.
بالنسبة للرئيس بايدن، يُّعدّ اللقاء وجها لوجه مع المنافس العالمي اللدود للولايات المتحدة فرصة لاستعراض قوة بلاده وقوته الشخصية. وتعتبر تايوان قضية أساسية أيضا بالنسبة للولايات المتحدة. حيث ستسعى الولايات المتحدة إلى التأكد من أن الصين لن تخطئ في تقديرها لمخاطر الاستفزازات العسكرية عبر مضيق تايوان.
وتركز الصين على تنشيط اقتصادها بدعم من الولايات المتحدة. فيما تسعى الولايات المتحدة إلى بناء شبكة أمان أمنية لضمان عدم نشوب حروب في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن المتوقع أن يسلط الاجتماع بين بايدن وشي الضوء على التبادل بين المصالح الاقتصادية للصين والمصالح الأمنية الأميركية.
لم يستطع أي من بايدن أو شي جين بينغ تحقيق فوز معنوي في اجتماع سان فرانسيسكو، إلا أن اللقاء بينهما يمكن أن يؤدي إلى اتفاقهما على قضية أو اثنتين لهما ذات الأهمية لدى الطرفين. وهذا الامر سيعنى ان مرحلة المخاض لولادة عالم متعدد الأقطاب ربما تكون طويلة نسبيا اذا ما قورنت بفترات ما بعد الحرب العالمية الثانية او انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وقد يؤدي هذا الى اشتعال المزيد من الأزمات الإقليمية والدولية. والى ذلك الحين كان الله في عون الجميع.