رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

شهدت أسعار السيارات خلال الشهور الأخيرة في أرض الكنانة العشرات من علامات الاستفهام حول الارتفاعات الجنونية، والقفزات المتتالية ،نتيجة العديد من المتغيرات محليا، وإقليميا،ودوليا ،لكنها تجاوزت بمراحل الحدود الطبيعية لمعدلات زيادة الأسعار، التي جاءت نتيجة طبيعية لتحرير سعر العملة ،وزيادة تكلفة الإنتاج والنقل والشحن والجمارك،وغيرها.

والأمر المسلم به وفقا لمعطيات الواقع ورؤي الخبراء أن أسواق السيارات تشهد حالة من عدم التوازن بين الإنتاج والتسويق المنصف واحتياجات المستهلك، فهو اشبه باقتصاد "الفقاعات" غير المبررة ولا تعبر عن السعر الحقيقي العادل.
وتبدو الإشكالية أكثر غرابة بصفة خاصة في أسواق ومعارض السيارات المستعملة في مختلف بقاع المحروسة ،والتي كانت ملاذا آمنا لمحدودي ومتوسطي الدخل ،ولكل من يريد أن يشتري سيارة، كمرحلة أولي قبل أن يفكر في إقتناء سيارة بمواصفات عصرية من الموديلات الحديثة.

في تقديري ،وبعيدا عن حالة الضبابية في أسواق السيارات وتعمد بعض أصحاب المعارض والتوكيلات المبالغة في تقدير القيمة الحقيقية للسيارات بمختلف أنواعها ، فهناك من يحاول افتعال المزيد من الأزمات وركوب موجة الجشع والاستغلال والاحتكار، وصنع أسواق موازية لتحقيق أرباح طائلة ،كما صنعها تجار الأزمات من قبل مع مختلف أسعار السلع الاستهلاكية والغذائية الأساسية ، يضاف لهذا محاولات هؤلاء التفنن في التهرب من رقابة الدولة بحيل قانونية ومبررات عديدة، غير عابئين
بما تحتمه المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية في هذه الظروف الانتقالية الحرجة!.

وما بين الأمس واليوم تشهد صناعة السيارات في أرض الكنانة حالة من المراء والجدل والتساؤلات حول مستقبل هذه الصناعة المهمة، ما بين الواقع المتقلب، والتطلعات نحو إنتاج سيارة مصرية تناسب كافة المستويات الاجتماعية، ولا عجب أن نسمع في هذا الشأن كثيرا من الطنطنة والضجيج بلا حصاد فعلي، وحتي إشعار آخر.

والأمر الأكثر غرابة أن مؤشرات ومعطيات الحاضر تؤكد أن مصر تمتلك العديد من مقومات هذه الصناعة ،لكن هناك من يحاول عرقلة جهود تقديم سيارة عائلية إقتصادية، بجودة مصرية فائقة ،رغم الجهود التي تبذلها الدولة والسعي الحثيث لتهيئة مناخ الاستثمار وتعزيز التعاون مع الشركات العالمية المنتجة للماركات والعلامات الشهيرة ، علاوة على الجهود المتواصلة لتشجيع الإنتاج المشترك الذي يجمع ما بين المكونات المحلية ،والمستوردة، والذي يسهم حتما في تحقيق المستهدف وخفض تكلفة الإنتاج بصفة عامة.

وبالعودة قليلا للخلف نجد أن مرتكزات الماضي تصب في صالح ضرورة استعادة ذاكرة الإبداع وتدوير عجلة الإنتاج من جديد وضرورة إيجاد آلية للخروج من هذا المأزق بأفكار عصرية متطورة.
فلن ننسى أن أرض الكنانة كانت سباقة في توطين هذه الصناعة ،فمنذ أكثر من 61 عاماً نجحت مصر في إنتاج أول سيارة مصرية الصنع بتكلفة 200 جنيه مصري فقط، حيث كانت صناعة السيارة بكاملها مصرية الصنع، وسميت تلك السيارة بمشروع "رمسيس" ،و تم إنتاجها اعتبارا من عام 1960، حتى توقف إنتاجها تماما بحلول عام 1972.

وقد بدأت قصة مشروع السيارة "رمسيس" مع إنشاء شركة "النصر للسيارات" عام 1959، حيث كانت ترغب الشركة في تجميع السيارات العالمية محليا، بالإضافة إلى تصنيع سيارة مصرية الصنع، وكانت بمثابة نموذجا معدلا عن السيارة الالمانية "برينز 4"، والتى كانت تنتجها شركة "NSU" الألمانية الغربية فى هذا الوقت، وتم فقط الاعتماد على محرك رمسيس من انتاج الشركة الألمانية.

وحظيت السيارة المصرية "رمسيس" منذ طرحها فى الأسواق، بترحيب وإقبال كبير من قبل المصريين، تشجيعا ودعما للإنتاج الوطني.

ونجحت شركة النصر في إنتاج 8 سيارات من موديل "رمسيس" يوميا ولكن هذا الإنجاز لم يستمر طويلا ، فقد تعثرت شركة "NSU" الالمانية ،واستحوذت عليها شركة "فولكس فاجن" عام 1964 ،مما أدى إلى وقف إنتاج السيارة "رمسيس" نهائيا في عام 1972، خاصة مع تعاون شركة النصر مع شركة "فيات" الإيطالية، مما نتج عن هذا مشروع لتجميع عدد من موديلات سيارات "فيات" المختلفة مع وضع علامة "نصر" عليها، وصولا إلي السيارة "دوجان شاهين"،واستمر التعاون حتى تعثر شركة النصر بحلول عام 2009، نظرا لتزايد الديون عليها، وهناك محاولات جادة في الآونة لعودتها كما كانت كأهم قلاع صناعة السيارات في مصر.

وفي وقتنا الراهن فكل المؤشرات تؤكد أن لدينا عقولا مصرية مبدعة قدمت أفكارا لا حصر لها لسيارات مصرية صغيرة ومتوسطة الحجم ، تناسب الأجواء المصرية كبديل للتوكتوك وأخري تناسب ومستويات دخل الأسرالمصرية ،وبخامات محلية الصنع، لكننا ندور في حلقات مفرغة ويخرج من يروج للسيارات الهندي والصيني والكوري وغيرها، وبأسعار فلكية بعيدة عن الواقع!.

ومن المؤشرات الإيجابية المبشرة، وعلي سبيل المثال ،فمنذ عدة أيام أنتجت جامعة الوادي سيارة جديدة ،حيث تمكن فريق من طلاب كلية الهندسة من تصنيع سيارة كهربائية مجمعة محليا بكل أجزائها بأيدي طلاب الفريق.

وقبل عدة أشهر أشاد د.أيمن عاشور وزير التعليم العالي بالسيارة الكهربائية باكورة إنتاج الكليةالمصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية
بجامعة القناة،والتي تعمل أيضا بالطاقة الشمسية،وعقد لقاء موسعا مع فريق الإنتاج من الطلاب.
وقد أشاد الوزير بالمشروع ، الذي شارك به 78 طالب وطالبة يُمثلون جميع طلاب الفرقة الرابعة بتخصصات الكلية وأقسامها الثلاث.
وأوضح د.ناصر مندور رئيس جامعة القناة أن المشروع عبارة عن سيارة "جولف" صديقة للبيئة، متعددة الأغراض، تعمل بالطاقة الكهربية، ومزودة بالخلايا الشمسية لإعادة شحن البطارية، وتقنية الذكاء الاصطناعي AI للقيادة الذاتية،ونظام الاتصالات المتطور مدعوماً بثلاث شاشات، مع نقل البيانات على التليفون المحمول،
وأغلب مكونات السيارة من المنتج المحلي، ما عدا البطارية "الليثيوم أيون" والموتور الكهربائي.

أما الجهات المستفيدة من هذا المشروع فهي المستشفيات والأندية، والفنادق والمخازن ؛ لنقل البضائع ونقل الركاب داخل الجامعات والمؤسسات ذات المساحات الضخمة، ولنقل ذوي الاحتياجات الخاصة.
وهناك خطة لاستكمال عملية تطوير السيارة، إنتاج طرازات مختلفة ،بمشاركة الدفعات القادمة.

أتصور أن هذه الجهود تتطلب تنسيقا مع الوزارات والجهات المعنية ، وإيجاد آلية لتعظيم الاستفادة من هذه الابتكارات وإبداعات أبناء المحروسة.

ولا ريب أن هناك حاجة لرؤي استراتيجية فاعلة ،تضمن إنتاج سيارة مصرية تناسب جميع الفئات ،سواء أكانت كهربائية أو بالوقود التقليدي ،وأيضا
مراجعة منظومة التصنيع والإستيراد وتطوير فكرة تسهيلات دخول سيارات المصريين العاملين بالخارج ،وإيجاد آلية لدخول السيارات المستعملة، بكافة أنواعها مقابل مبلغ مالي دولاري يترواح مثلا مابين ألف إلي ألفين دولار،أوثلاثة حسب الموديل والإمكانات.

ورغم التوقعات بحدوث انفراجة كبيرة وانخفاض في الأسعار مع بدايات عام 2024 ،وعودة المستعمل لأسعاره الطبيعية بعد انضمام مصر رسميا إلي تجمع دول "بريكس"، لكن من المنطق المسلم به أنه لن تتحقق لديك القدرة علي الاستفادة من هذه التجمعات الاقتصادية ما لم تكن لديك قدرة حقيقية علي الانتاج والمنافسة.
ومن ثم هناك ضرورة لمراجعة منظومة التصنيع والإستيراد في هذا القطاع المهم مع دخول أجيال جديدة من السيارات الكهربائية المتطورة صديقة البيئة.

وخلاصة التجربة أن هيمنة التجار وأصحاب التوكيلات علي سوق السيارات ، كان سببا في غرس عراقيل نحو تطوير هذه الصناعة ،وصولا لهذه "الفقاعة" التي فاقت كل الحدود!.
وبعيدا عن آليات السوق وتشجيع الاستثمارات الخاصة والتي لم تقدم، الحل والمخرج فإن عودة الشركات المملوكة للدولة أصبح ضرورة لانقاذ هذه الصناعة،والحفاظ علي مستويات مقبولة من الزيادة وفقا لآليات العرض والطلب ،مع التوسع في عقد الشراكات الفاعلة مع العلامات التجارية الدولية ،وهو ما بدت بوادره لكنها لم تبرح مكانها بعد ، وهو كفيل بعودة الأسعار الحقيقية للجديد والمستعمل واختفاء هذه الفقاعات ولو تدريجيا، وفك طلاسم هذا اللغز المفتعل والمحير ..وإنا لمنتظرون!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة