من الألف إلى الياء
أدمت مأساة غزة القلوب ألما وتوجعا مع استمرار الاعتداءات الوحشية علي الأبرياء وتدمير كافة صور الحياة، وتواصل هذا السيل المتدفق من الغل والحقد، والذي يترجم لضربات موجعة، لا تعرف الرحمة ولا قيم الإنسانية والمروءة!.
إنها إبادة جماعية منظمة وتطهير عرقي مع سبق الإصرار والترصد، تحرمه وتجرمه كافة القوانين الإنسانية والتشريعات الأممية، ومن قبلها الشرائع السماوية السمحة..
وتنهمر دموع الأحرار شرقا وغربا حسرة وحزنا وقنوطا من دنيا اللامعايير ، تتدفق دون جفاف وسكينة ،انتظارا لرحمات السماء وتدابير الخالق بعد انقطع الرجاء والأمل في عالم نفعي مخادع، يفرض على بني البشر قوانين ومعايير منقوصة ومزدوجة، ولا راد لقضاء الله!.
ومع صمود أهل فلسطين الذي أدهش العالم، ورغم مرارة المشهد وقسوة الحال والمآل، فإن تباشير الأمل تبزغ من آن لآخر، وبين الفينة والأخري، وكما قال أحد أبنائها فإن الحجر يبني من جديد، وتأتي أرحام النضال كل يوم بألف شهيد..
ومع هذه القوة الإيمانية الخارقة والروح البطولية الصلبة، تبدو في الأفق القريب بشريات النصر المؤزر بإذن الله ومشيئته، ووعده الحق.
وبعيدا عن الأذرع الفاعلة المحركة لإدارة دفة سياسات العالم، فإن الضمير الإنساني تحرك شرقا وغربا بحثا حقيقة ما يحدث في غزة وعن تفسير للأكذوبة الكبري التي يروج لها الصهاينة عبر منصاتهم والقنوات الإعلامية الغربية المناصرة لهم.
تحرك ضمير العالم رافضاً هذه الممارسات الوحشية اللانسانية، والأخلاقية، والتي لم تشهدها البشرية من قبل، وسطرت تاريخيا إجراميا جديدا، يضاف للسجل الدامي من التجاوزات لآل صهيون، ومعاونيهم لإنجاز أهدافهم و طموحاتهم الخبيثة وأطماعهم اللامحدودة !..
تحرك ضمير أحرار العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي من خلال أعداد كبيرة من الڤيديوهات والمحاورات لتكشف زيف الدعايات الصهيونية وسرديات الغرب المضللة، بحثا عن الحقيقة المرة..
تحركت القلوب والعقول تعاطفا مع أبناء النضال الفلسطيني، رافضة هذه السياسات القبيحة للصيد في الماء العكر ، والمحاولة المغلوطة لتشوية صورة العرب وصورة المسلمين، وكأنهم مجموعة من الوحوش المفترسة يسفكون دماء الأبرياء والمدنيين بلا شفقة ولا رحمة ولا ضمير !.
تحرك ضمير الإنسانية ليعلن أن النور قادم لا محالة بعد ليل حالك طويل، ورغم ما تقوم به الخوارزميات المتحيزة لوقف انتشار صوت الحق، وحذف معظم المضامين الفاضحة لجرائم الصهاينة، المؤيدة لحق أبناء الشعب الفلسطيني في الحياة والحرية.
وجاءت شهادات كثيرة تصدح بالحق المجرد من أية أغراض لسياسيين ونشطاء ومتظاهرين وفنانين ومدونيين، ممن يمتلكون قلوبا بيضاء وعقولا تؤمن بمنطق الخير والحق والعدل.
لقد كشف هؤلاء عن الأقنعة الغربية الزائفة والتستر بالحرية، ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تثقب الحجب المصطنعة عن سردية الظالم والمظلوم، والتي لم يعد يقبلها إلا النفعيون المغيبون المارقون عن قوانين وقيم الإنسانية والأخلاقية الثابتة في كل زمان ومكان.
لقد أعلن هؤلاء المنصفين تأييدهم للمقاومة الفلسطينية الصامدة وإستنكارهم لكافة الممارسات اللإنسانية لقوات الاحتلال الصهيوني، رغم سطوة الآلة الإعلامية، ومقابح رسائلها المشوهة، بكافة روافدها المضللة.
ومع ظلامية المشهد المتأزم، ووسط هذه الجراح المندملة والمآسي والمجازر اللإنسانية، التي تقترفها قوات الصهاينة، تأتي هذه الشهادات الغربية،
لتغرس الأمل مع بشريات طوفان الأقصي ونجاحات كتائب الجهاد في وقف صلف قوات الاحتلال..
فما يحدث من وحشية وإجرام في مقابل صبر واحتساب وصمود لأبناء غزة قد أثار فضول العالم الغربي لإعادة قراءة القرآن والتعرف علي العقيدة الإسلامية، كما أسلم أحد القساوسة وبعض أصحاب العقائد الأخري حين رأوا ثبات أهل غزة وترديدهم كلمه "الحمد لله" أو "إنا لله وإنا الله راجعون" وفرحهم بمواكب الشهداء، وعدم الضجر وتسليمهم بقدر الله، ثقة في نصره وما وعد به من نهاية محتومة، وزوال مؤكد ومتجزر في الحقيقة الربانية للنهاية الحتمية لدولة التجبر والإفساد.
ورب ضارة نافعة.. وإن بعد العسر يسرا.. وما يعلم جنود ربك إلا هو..
فما يحدث الآن في أرض فلسطين أجبر الكثيرين من شعوب العالم في إعادة ترتيب حساباتهم وتصحيح معتقداتهم ،وربما يعيد الزمن مرة أخري للخلف لتصحيح نقطة البداية وإدراك حقيقة الحياة الدنيا، وإماطة ضباب الأتربة المتعمدة عن صورة الإسلام الوسطية وشريعته السمحاء.
ويذكرنا بما فعله السيناتور الأمريكي "بول فندلي" قبل عدة سنوات حين ألف عدة مؤلفات تفضح مقابح التزييف الغربي من بينها كتابه "لا سكوت بعد اليوم" ، استمراراً للنهج الذي اتبعه، دفاعاً عن صورة العرب والإسلام في الولايات المتحدة، وقد روي رحلته الاستكشافية في عالم الاسلام، التي قادته للتعرف إلي ديانة، تقوم علي التسامح واحترام قيمة الانسان وكرامته، يعتنقها مئات الملايين من البشر في انحاء العالم، وأقلية في الولايات المتحدة تواجه، التحديات الناشئة عن التمييز والافكار المضللة.
وصدق عزمه للعمل لكسر حاجز الجهل بالإسلام والمسلمين، وتفنيد الأضاليل لتبديد سوء الفهم.
وكان فندلي عضواً في الكونغرس، ممثلاً لولاية "إلينوي" لمدة عشرين سنة، حمل خلالها لواء الدفاع بجرأة نادرة عن الحقوق العربية بعامة، والفلسطينية بخاصة. وواجه بشجاعة الضغوط التي مارسها ضده اللوبي اليهودي. وبعد خروجه من الكونغرس عام 1982 وأصل العمل لتنوير الرأي العام الأميركي حول حقيقة الصراع العربي الاسرائيلي، فأصدر كتابيه "من يجرؤ علي الكلام" الذي يلقي فيه أضواء كاشفة عن القوي الصهيونية الضاغطة في الولايات المتحدة، ومدي تأثيرها في صناعة القرار وفي سياستها الخارجية. ثم أصدر كتابه "الخداع " الذي يفضح أساطير اليهود والصهاينة ودعاياتهم، والأضرار التي تلحق بالولايات المتحدة بسبب انحيازها الأزلي لإسرائيل.
ومها ضاقت السبل، وبلغت القلوب الحناجر وانقطع الرجاء والأمل من تدابير وأفعال أبناء الدنيا، فنصر الله آت لامحالة، وإن طال الزمن، وصدق عز وجل في محكم كتابه:
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُواْ لَكُم فَاخشَوهُم فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيل * فانقَلَبُواْ بِنِعمَةٍ منَ اللَّهِ وَفَضلٍ لم يَمسَسهُم سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضوَانَ اللَّه وَاللَّهُ ذُو فَضلٍ عَظِيم * إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَولِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُم وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين)
آل عمران 173-175.